رئيس مجلس الإدارة
مدحت بركات
رئيس التحرير
محمد الشواف

البنك الدولي: 10 سنوات من السندات الخضراء.. خطة للاستدامة في أسواق رأس المال

الخميس 21/مارس/2019 - 04:33 م
الإستدامة والتمويل | sustainability and funding
طباعة

أصدر البنك الدولي تقرير قال فيه: "تلقت إدارة الخزانة بالبنك الدولي مكالمة هاتفية مفاجئة: في أواخر عام 2007، أرادت مجموعة من صناديق التقاعد السويدية الاستثمار في مشاريع تراعي تغير المناخ، لكنهم لم يعرفوا سبل العثور على هذه المشاريع. لكنهم كانوا يعرفون لمن يتوجهون، ومن ثم اتصلوا بالبنك الدولي للمساعدة. منذ أقل من عام مضى، أصدر البنك الدولي أولى سنداته الخضراء- وابتدع معها طريقة جديدة لربط التمويل من المستثمرين بمشاريع المناخ.

 

وأضاف التقرير: "السندات هي في الأساس اتفاق يقترض بموجبه المصدرون للسندات الأموال من المستثمرين ويسددونها للمستثمرين بفائدة متفق عليها بعد فترات زمنية محددة. الحكومات والشركات وآخرون كثيرون يصدرون السندات لاقتراض الأموال للمشاريع. لم يكن إصدار السندات بالشيء الجديد على البنك الدولي - فهو يصدر السندات منذ عام 1947 لجمع الأموال من أسواق رأس المال من أجل مشاريعه الإنمائية. إلا أن فكرة إصدار سند مخصص لنوع محدد من المشاريع لم تكن قد اختبرت بعد. صنعت السندات الخضراء تاريخا لتمثل حدثا أدى إلى تغيير جذري في الطريقة التي يعمل بها معا المستثمرون وخبراء التنمية وصناع السياسات والعلماء".

 

 تحذير صارخ

وتابع: في عام 2007، نشر الفريق الحكومي الدولي حول تغير المناخ- وهو إحدى وكالات الأمم المتحدة التي توفر البيانات العلمية عن تغير المناخ وآثاره السياسية والاقتصادية- تقريرا يربط بما لا يدع مجالا للشك بين السلوكيات البشرية والاحترار العالمي.  حفز هذا الاستنتاج، ومعه زيادة تواتر الكوارث الطبيعية، عددا من صناديق التقاعد السويدية على التفكير في كيفية استخدامهم للمدخرات التي يحافظون عليها من أجل التوصل إلى حل. وطلبوا من المجموعة المصرفية الإسكندنافية SEB أن تنظر فيما يمكن عمله. وقامت المجموعة المصرفية بالربط بين التمويل الذي كان يسعى إلى تقليص المخاطر على المستثمرين وإحداث أثر إيجابي، وبين البنك الدولي بما يتمتع به من خبرة في الاستثمار في المشاريع البيئية حول العالم. 

 

 التفكير خارج الصندوق

وبالنظر إلى الوراء، تبدو الحلول مباشرة وصريحة. أراد المستثمرون ملاذا آمنا يضعون فيه أموالهم ويوقنون أنهم يحدثون به أثرا.  فلدى البنك الدولي مشاريع بيئية ليمولها، ويتمتع بسجل حافل كمصدر جيد للسندات، وبالقدرة على تقييم أثر هذه المشاريع. ولكن كان هناك حلقة مفقودة وهي: كيف يستطيع المستثمرون التيقن من أن المشاريع التي يدعمونها تتصدى بالفعل للمخاوف المناخية؟

 

وتطلب ذلك إجراء مكالمة هاتفية أخرى، وهذه المرة للمركز العالمي لبحوث المناخ والبيئة، وهو مركز متعدد التخصصات في البحوث المناخية ومقره أوسلو. كان علماء المركز يقودون الخبراء في القضايا المناخية. ويمكنهم أن يطرحوا رؤيتهم الموثوقة بشأن ما إذا كان المشروع سيترك أثرا إيجابيا على البيئة.

 

 وتلا ذلك الكثير من المحادثات بين صناديق التقاعد والمجموعة المصرفية الإسكندنافية والمركز العالمي لبحوث المناخ والبيئة وإدارة الخزانة بالبنك الدولي.  كانت المحادثات صعبة في كثير من الحالات- لا سيما وأن مختلف الجهات كانت تتحدث بلغة مختلفة في أغلب الأحوال، وكان من الصعب تقليص الفجوة بين التمويل والتنمية والعلم.

 

 التزام مشترك بالعثور على حل

وأكد تقرير البنك الدولي: "أخيرا أطل النجاح برأسه في نوفمبر تشرين الثاني 2008، عندما أصدر البنك الدولي السندات الخضراء. هذه السندات وضعت الخطة الرئيسية لسوق السندات الخضراء التي نراها اليوم. هذه الخطة حددت المعايير للمشاريع المؤهلة للدعم بالسندات الخضراء، واعتمدت المركز العالمي لبحوث المناخ والبيئة كجهة ثانية لإبداء الرأي، وأضافت تقييم الأثر باعتباره جزءا أصيلا في هذه العملية.  كما استحدثت نموذجا جديدا للتعاون بين المستثمرين والبنوك ووكالات التنمية والعلماء. وفي النهاية، كانت ثمرة لالتزامهم ومثابرتهم والدفع نحو إيجاد حل".

 

والسندات الخضراء التي أصدرها البنك الدولي زادت الوعي بالتحديات المتعلقة بتغير المناخ، ودلت المستثمرين على إمكانية دعم الحلول المناخية من خلال الاستثمار الآمن دون التخلي عن العائد. وشكلت الأساس لمبادئ السندات الخضراء التي نسقتها رابطة أسواق رأس المال الدولية.  وأبرزت القيمة الاجتماعية التي تحققها السندات والحاجة إلى التركيز الأشد على الشفافية.

 

ومنذ ذلك الحين، جمع البنك الدولي أكثر من 13 مليار دولار من خلال ما يقرب من 150 سندا أخضر بعشرين عملة لمستثمرين ومؤسسات استثمارية حول العالم.

 

وفي نهاية السنة المالية 2018، كان هناك 91 مشروعا مستحقا للتمويل بالسندات وتعهدات بإجمالي 15.4 مليار دولار. من هذه التعهدات، تم تخصيص 8.5 مليار من إيرادات السندات الخضراء وصرفها لدعم المشاريع في 28 بلدا، و 6.8 مليار أخرى في طريقها للصرف.

 

 وبحلول 30 يونيو 2018، كانت مشاريع الطاقة المتجددة وكفاءة استخدام الطاقة والنقل النظيف تمثل أكبر القطاعات في حافظة المشاريع المستحقة لسندات الخضراء. هذه القطاعات مجتمعة شكلت ما يقرب من 69% من التزامات السندات الخضراء.

 

وعن المناخ، قالت كريستينا جورجيفا، القائم بأعمال رئيس مجموعة البنك الدولي والمدير الإداري العام للبنك الدولي، "نحتاج إلى تحرك جريء إزاء تغير المناخ. وهذا يفضي بنا إلى اختيار بسيط: أن نواصل العمل كالمعتاد ونأمل في الأفضل. أو نتحرك الآن ونبني مستقبلا قادرا على الصمود.  قد لا يتمكن جيلنا من حل جميع المشاكل المتعلقة بتغير المناخ، لكن يمكننا أن نضطلع بدورنا لنترك كوكبا أفضل للأجيال القادمة."

 

وأضافت: السندات الخضراء غيرت سلوكيات المستثمر: فبعد عشر سنوات، ينشر المستثمرون أسماءهم ويقدمون عروضا عند شراء السندات الخضراء أو سندات أخرى موجهة وهم أكثر وعيا بقدرتهم على دعم المبادرات بالاستثمار.

 

ثورة دائمة

ومرت عشر سنوات مرت سريعا تطورت أسواق رأس المال من سوق عركها المستثمرون ولم يهتموا كثيرا بما تدعمه استثماراتهم، إلى أسواق باتت الغاية فيها أهم من ذي قبل. الفرضية الأساسية التي قامت عليها السندات- بنموذجها المعني باختيار المشروع، والاستعانة برأي طرف ثاني، وتقارير لتقييم الأثر- تطبق على مناطق أخرى. ونتيجة لذلك، هناك الآن سندات اجتماعية جديدة وسندات زرقاء، وسندات أخرى لجمع التمويل مكرسة لأغراض إنمائية معينة. كلها تحاكي نموذج السندات الخضراء بتركيزها على إعداد تقارير عن الأثر. أكثر من 500 مليار دولار من هذه السندات المتخصصة تم إصدارها منذ عام 2008.

 

 وأكدت هايكا رايشلت، مدير إدارة علاقات المستثمرين والمنتجات الجيدة لدى البنك الدولي، "المستثمرون يريدون استثمارا تنافسيا، لكننا نرى أن هناك مستثمرين أكثر يرغبون في وضع أموالهم في مواضع يكون لها تأثير إيجابي يمكن قياسه."

 

واهتمام المستثمرين بالأهداف الاجتماعية والبيئية لاستثماراتهم يعكس تحولا جوهريا في أسواق السندات. فالمستثمرون يعون قدرتهم على دعم المبادرات التي يهتم بها المعنيون، وليسوا مضطرين إلى التخلي عن العائدات. ويريدون أيضا البيانات التي تظهر أنهم يتصدون للعوامل البيئية والاجتماعية وتلك المتعلقة بالإدارة العامة- لاسيما وأنهم يتفهمون بشكل متزايد أنه بالإضافة إلى خلق قيمة اجتماعية، فإنهم أيضا يخففون المخاطر على استثماراتهم. مصدر السندات الذي يتمتع بممارسات أكثر ديمومة سيكون مستثمرا أفضل بشكل عام. المصدرون يستجيبون. المصدرون يشاركون المستثمرين ليبينوا كيف أن السندات تتيح الفرص لجني عائدات مالية واجتماعية.

 

وينظر المستثمرون لما وراء السوق الضيقة للسندات المتخصصة لكي يفهموا كيف يستخدم المصدرون استثماراتهم. هذه السوق هي أكبر بكثير- فالبنك الدولي وحده يصدر سندات إنمائية مستدامة  بخمسين مليار دولار لأغراض الإقراض الإنمائي.

 

 وقد قامت هذه الثورة بفعل السندات الخضراء. والصورة الأكبر هي لمواصلة الثورة وقوة الدفع نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030. وسيستمر الهيكل والتقارير الخاصة بالسندات في المزيد من التطور، ويوما ما سيسأل كل مستثمر "ما هو تأثيري؟" وسيتوقع الحصول على إجابة في شكل بيانات واضحة ومقنعة. الطريق مازالت طويلة، لكن حتمية العمل الجيد تجاه تغير المناخ وإلحاح التحرك وقوة أسواق المال، والتزام المستثمرين بهذا سيدفع التمويل الإنمائي نحو النجاح.

 

 

 

هل تنجح البنوك فى نشر فكر وثقافة الاستدامة
هل تنجح البنوك فى نشر فكر وثقافة الاستدامة