اكتشاف أثري استثنائي بالأقصر: خبيئة من التوابيت الملونة وثماني برديات نادرة تعود لعصر الانتقال الثالث
كشف فريق أثري مصري مشترك بين المجلس الأعلى للآثار ومؤسسة زاهي حواس للآثار والتراث عن اكتشاف استثنائي في منطقة القرنة بالبر الغربي بالأقصر، تمثل في خبيئة من التوابيت الخشبية الملونة التي تحتوي على مومياوات، بالإضافة إلى مجموعة من البرديات النادرة تعود لعصر الانتقال الثالث، وذلك أثناء أعمال الحفائر في الزاوية الجنوبية الغربية من فناء مقبرة سنب.
وأكد شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، أن هذا الاكتشاف يُعد إضافة نوعية لسجل الاكتشافات الأثرية في مصر، ويعكس الدعم الكامل والمستمر الذي تحظى به أعمال البحث والتنقيب من الدولة المصرية، في إطار استراتيجية شاملة للحفاظ على التراث الثقافي وإبراز قيمته الحضارية والإنسانية.
وأوضح الوزير أن الوزارة تولي اهتمامًا بالغًا بعمليات الترميم والدراسة العلمية المصاحبة لمثل هذه الاكتشافات، لضمان الحفاظ عليها وفق أعلى المعايير الدولية، تمهيدًا لعرضها بالشكل اللائق الذي يعكس عظمة الحضارة المصرية، ويسهم في تعزيز منتج السياحة الثقافية، خصوصًا في محافظة الأقصر، التي تعد متحفًا مفتوحًا للتراث الإنساني.
من جانبه وصف الدكتور زاهي حواس، وزير الآثار الأسبق ورئيس مؤسسة زاهي حواس للآثار والتراث، هذا الكشف بأنه استثنائي، إذ يزيح الستار عن خبايا جديدة من عصر الانتقال الثالث، ويقدم كنزًا معلوماتيًا كبيرًا عن أسرار تلك الحقبة الزمنية.
وأشار حواس إلى أن أعمال الحفائر كشفت عن حجرة مستطيلة منحوتة في الصخر لتكون مخزنًا جنائزيًا، تم العثور بداخلها على 22 تابوتًا خشبيًا ملونًا رُصت في عدة طبقات فوق بعضها البعض، موزعة على 10 صفوف أفقية، مع فصل الأغطية عن الصناديق لتكثيف المساحة واستغلالها بأقصى درجة ممكنة.
كما عثرت البعثة على مجموعة من الأواني الفخارية التي يُعتقد أنها استُخدمت في حفظ مواد التحنيط، وهو ما يضيف بعدًا علميًا هامًا لدراسة الطقوس الجنائزية في تلك الفترة.
وقال الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، إن البعثة تعمل حاليًا على حل لغز هذه الخبيئة والتعرف على هوية أصحابها، مشيرًا إلى أن معظم التوابيت تحمل ألقابًا وظيفية بدلاً من أسماء شخصية، وأن اللقب الأكثر شيوعًا هو "منشد أو منشدات آمون"، ما يفتح آفاقًا جديدة لدراسة طبقة المرتلين والمنشدين في تلك الحقبة.
وأضاف أن حالة بعض التوابيت الخشبية سيئة، مما استلزم تدخل فريق الترميم التابع للبعثة لإجراء عمليات صون عاجلة، شملت معالجة تهالك الألياف الخشبية وضعف طبقات الجص الملون، والتنظيف الميكانيكي الدقيق لإزالة الرواسب دون المساس بالألوان الزاهية، بالإضافة إلى التوثيق المتكامل لكل قطعة فوتوغرافيًا ومعماريًا قبل نقلها إلى المخازن.
وأشار الدكتور عفيفي رحيم، المشرف على أعمال البعثة، إلى أن هذه الخبيئة تعود إلى عصر الانتقال الثالث (الأسرات 21-25)، وتتميز بوجود المومياوات داخل التوابيت رغم خلوها من الأسماء الشخصية، وتستمر البعثة حاليًا في الحفائر للكشف عن المقابر الأصلية التي نُقلت منها هذه التوابيت.
ولفت رحيم الانتباه إلى أن البعثة عثرت أيضًا على ثماني برديات نادرة داخل إناء فخاري كبير، بعضها لا يزال يحمل "الختم الطيني" الأصلي، وتختلف في الأحجام، وتعد هذه البرديات كنزًا معلوماتيًا هامًا سينتظر العالم نتائجه بعد انتهاء أعمال الترميم والترجمة، لتكشف عن تفاصيل إضافية عن الحياة الدينية والاجتماعية والسياسية في عصر الانتقال الثالث.
هذا الكشف يعكس ثراء التراث المصري وأهمية استمرار عمليات التنقيب المدروس، ويؤكد قدرة مصر على تقديم اكتشافات عالمية تضيف فصولًا جديدة إلى التاريخ البشري، وتساهم في تعزيز السياحة الثقافية والأثرية في محافظة الأقصر، التي تظل من أهم المحاور العالمية للتراث المصري القديم.

