حرب السرديات العالمية.. كيف تتحول العمليات العسكرية إلى حملات تسويقية؟
لم تعد الحروب الحديثة مجرد مواجهات عسكرية تُقاس بعدد الطلعات الجوية أو دقة الصواريخ، بل أصبحت معارك إدراكية تُدار باحترافية تسويقية عالية.
فقبل أن ينطلق أول صاروخ، ينطلق “اسم العملية” ليؤدي وظيفة كاملة في الأسواق العالمية Branding، ويصنع تأثيرا نفسيا يسبق الحدث ويستهدف أصداء إعلامية وتسويقية كبرى .
يرى د.رامى خضير استاذ التسويق و استراتيجيات التنافس وادارة العلامات التجارية بجامعة مصر الدولية ، أن تسمية العمليات العسكرية أصبحت أداة استراتيجية لإدارة الحروب، وتوجيه العاطفة، وصناعة الشرعية الدولية .

فالاسم ليس تفصيلاً شكليًا، بل هو اختصار إدراكي (Cognitive Shortcut) يُملي على الشعوب والدول كيفية فهم ما يحدث بالصراعات القائمة ومن يقف في موقع الحق أو استعراض القوة.
لنرى أول طلقة في الحرب في المواجهات الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران، ظهرت تسميات مكثفة الدلالة مثل Epic Fury (الغضب الملحمي) و Lion’s Roar (زئير الأسد)، مقابل التسمية الإيرانية “الوعد الصادق”.
هنا لا نتحدث عن مصطلحات عابرة، بل عن أدوات تسويق تخاطب العقل الإعلامى العالمى وتحرك الرأى العام (Positioning) وصناعة إطار (Framing) تُحدد المشهد قبل أن تتضح نتائجه.
حرب السرديات
اكد ان كل طرف لا يسعى فقط لتحقيق مكسب عسكري، بل لامتلاك الساحة النفسية العالمية. فالجمهور المحلي يحتاج إلى رفع معنوياته، بينما الجمهور الدولي يجب ردعه أو استمالته.
وهنا يتحول الاسم إلى رسالة استراتيجية (Signal) تُخبر العالم:
لماذا نتحرك؟ - ما هي نوايانا؟ - وما هو المعنى الأخلاقي لفعلنا؟
“الغضب الملحمي”
تعمل هذه التسمية ضمن ما يُعرف بـ Punishment Frame؛ فهي تضخم الحدث وتضعه في سياق “لحظة فاصلة” بعد صبر طويل.
الرسالة الضمنية: لسنا أمام عملية محدودة، بل أمام ردع واسع وحاسم.
القوة التي تُسمع قبل أن تُرى
هنا يُستدعى رمز الهيمنة عبر Dominance Cue؛ فالأسد ليس مجرد صورة للقوة، بل إعلان عن السيطرة والتحكم وفرض الكلفة، والزئير رسالة ردع نفسية قبل أن يكون فعلًا عسكريًا، و“الوعد الصادق”.. شرعية أخلاقية لا استعراض قوة
على الجانب الآخر، ترتكز التسمية الإيرانية على Moral Legitimacy و Commitment Device؛ فالمعنى هنا هو الوفاء لا الاستعراض بمعنى نحن لا نهاجم، بل نفي بالتزام. وهذه الصياغة تُحوّل الكلفة إلى “استحقاق أخلاقي”، وتُعزز التماسك الداخلي حتى في حال ارتفاع التضحيات.
المخاطرة الكبري
كلما كان الاسم ضخمًا، ارتفعت كلفة الفجوة بين العنوان والنتيجة، فإذا لم تتطابق الوقائع مع الدلالة، يتحول الاسم من أصل استراتيجي (Asset) إلى عبء (Liability)، وتبدأ عمليات التهكم والسخرية من ضربات بلا جدوى Counter-Branding مثل: زئير بلا أنياب ، غضب متهور، وعد بلا عهد، وهنا تنقلب الأداة التسويقية إلى سلاح بيد الخصم .. يستخدمه لزعزعة ثقة الأخر فى إمكانياته وقوته على أرض الواقع وأمام المسرح العالمى .
إدارة الإدراك
يؤكد خضير أن مسميات الحرب ليست تأريخًا محايدًا، بل عملية إدارة إدراك كاملة (Perception Management) تُصمم لتوجيه المشاعر، وصناعة الشرعية، ورفع الردع، وتحديد قواعد اللعبة الإعلامية.
ففي عصر الصورة والسوشيال ميديا، لا تنتصر فقط من يملك القوة، بل من ينجح في فرض روايته على المشهد العالمى .
وبين الأسد والغضب والوعد… تتأكد الحقيقة: المعركة لا تُخاض فقط في السماء وعلى الأرض، بل في العقول أولًا.