لغز الـ500 ألف جنيه.. صرخة عمال "التعاون للبترول" تكشف مستور نقاط المحمول

التعاون للبترول
التعاون للبترول

في أروقة واحدة من أعرق شركات البترول الوطنية، حيث ضجيج الرافعات ورائحة الوقود التي تمتزج بعرق آلاف العاملين، تدور اليوم همسات لم تعد خافتة، بل  تحولت إلى عاصفة من التساؤلات المشروعة.

 الحكاية ليست عن "برميل نفط" مفقود، بل عن "نقاط مكالمات" تحولت في صمت إلى مئات الآلاف من الجنيهات، وسط تساؤلات حائرة: أين ذهبت حقوق العمال في "حسابات الاتصالات"؟

 

خيوط الحكاية.. حين تتحدث الأرقام

بدأ المشهد حينما انتبه عمال شركة "التعاون للبترول" إلى أن خطوط هواتفهم، التي تتجاوز الـ 3000 خط، ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي منجم لـ "النقاط" (Rewards) التي تمنحها شركات المحمول مقابل الاستهلاك الضخم. وبحسبة بسيطة، فإن هذه النقاط التراكمية لأسر العاملين واللجنة النقابية تمثل ثروة مهدرة لم يذق العمال منها شيئاً.

المفاجأة الكبرى بدأت تتكشف خيوطها حين نما إلى علم العاملين أن المحاسب مصطفى السيد، رئيس مجلس إدارة الشركة، قرر بنفسه خوض غمار هذا الملف الشائك. 

لم يكتفِ بالسمع، بل خاطب شركات المحمول المتعاقد معها رسمياً ليسأل سؤالاً واحداً: "أين تذهب نقاطنا؟".

زلزال "فودافون" وغموض "اتصالات"

جاء الرد الأول كالصاعقة؛ حيث كشفت إحدى شركات المحمول (فودافون) أن النقاط التي تم تحويلها للمفوضين النقابيين تجاوزت قيمتها الـ 200,000 جنيه خلال عامي 2023 و2024 فقط. ولكن، ومع تعمق التحقيقات وتواصل الإدارة مع المفوض الذي تسلم تلك المبالغ، كشفت المفاجأة الأحدث عن توريد مبلغ ضخم وصل إلى 500,000 جنيه (نصف مليون) من أحد مفوضي الشركة، كجزء من رد المظالم والحقوق المنهوبة لبيت الشركة مرة أخرى.

هذا الرقم (500 ألف جنيه) لم يهدئ الأجواء، بل أشعل نيران التساؤلات حول "الطرف الآخر" في المعادلة؛ شركة (اتصالات). فبينما استجاب مفوض فودافون وردّ المبالغ، لا يزال الصمت يخيم على مصير نقاط شركة اتصالات عن الأعوام السابقة (2022، 2023، 2024). العمال يتساءلون بمرارة: "إذا كان مفوض واحد قد رد نصف مليون جنيه، فكم تبلغ القيمة الإجمالية الضائعة في الحسابات الأخرى؟".

ضرب القوانين عرض الحائط.. خرق اللوائح الصارخ

إن ما يحدث اليوم في هذا الملف ليس مجرد "خطأ إداري"، بل هو خرق جسيم ومباشر لكافة لوائح الشركة الداخلية والقوانين المنظمة للعمل النقابي التي أصبحت تُضرب بها "عرض الحائط". فاللوائح المالية للشركة تمنع بشكل قاطع تقاضي أي ميزات عينية أو نقدية ناتجة عن تعاقدات الشركة الرسمية لصالح أفراد أو لجان، واعتبارها "مالاً عاماً" مملوكاً للمؤسسة وحدها.

إن محاولة تحويل هذه النقاط إلى حسابات خاصة تحت عباءة "التفويض النقابي" هي مخالفة صريحة تستوجب المساءلة الجنائية، حيث تم الالتفاف على القوانين التي تفرض الشفافية والنزاهة، واختزال حقوق آلاف العمال في جيوب قلة استغلت ثقتهم. هذا التجاوز للوائح لم يعد مجرد شبهة، بل أصبح واقعاً يهدد ثبات المنظومة القانونية داخل الشركة، مما يجعل الصمت عن مصير باقي المبالغ تواطؤاً مع من اختاروا كسر القواعد لتحقيق مكاسب شخصية.

المواجهة.. بين "حق العمال" و"تغول النقابة"

تكتسب الدراما ذروتها عند النظر إلى طبيعة "التفويض". فالمفوضون، وهم نقابيون يمثلون القاهرة والأقاليم، يتذرعون بأن هذا الحساب "نقابي خاص" ولا دخل لإدارة الشركة به. لكن الرد العمالي جاء حاسماً: "كيف يكون حساباً خاصاً وهو ناتج عن استهلاك خطوط تخص عمال الشركة وأسرهم؟". إنها معركة قانونية وأخلاقية بامتياز، حيث يرى العمال أن تحويل هذه النقاط لمنافع شخصية هو استيلاء غير مشروع على ميزة عينية تخص العامل وحده.

 جرس إنذار لكل الشركات

إن ما يحدث في "التعاون للبترول" بـ 2026 هو جرس إنذار لكل المؤسسات الكبرى. "نقاط المكالمات" التي استهان بها البعض، أثبتت أنها "أموال عامة" مهدرة تقدر بالملايين. وبينما ينتظر العمال ردوداً واضحة عن مصير نقاطهم منذ عام 2022، تظل قصة "النصف مليون جنيه" التي رُدت، دليلاً على أن الحقوق لا تضيع ما دام وراءها مُطالب، وأن الرقابة الصارمة هي الحل الوحيد لضبط "سماسرة النقاط" الذين يتربحون من عرق الشقيانين.

تم نسخ الرابط