الحكومة تتحرك سريعًا.. الاتجاه إلى ليبيا لتعويض توقف النفط الكويتي
في خطوة سريعة واستباقية لمواجهة أزمة طاقة متفاقمة، فإن الحكومة توجهت نحو تعزيز التعاون مع ليبيا لاستيراد كميات كبيرة من النفط الخام، بهدف تعويض توقف الإمدادات الكويتية التي توقفت بفعل الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز جراء الحرب الدائرة في المنطقة.
ووفقًا لتقارير حديثة، تسعى مصر لاستيراد ما لا يقل عن مليون برميل شهريًا من النفط الليبي، في اتفاق يأتي استجابة لطلب مباشر من الهيئة المصرية العامة للبترول إلى المؤسسة الوطنية للنفط الليبية.
وهذه الخطوة ليست مجرد صفقة تجارية عابرة، بل تمثل تحولًا استراتيجيًا في سياسة الطاقة المصرية وسط أزمة إقليمية تهدد استقرار إمدادات الوقود العالمية، ومع دخول الحرب أسبوعها الخامس، بدأت التداعيات الاقتصادية تظهر بوضوح على دول المنطقة، خاصة تلك التي تعتمد على الخام الخليجي.
وفي هذا التقرير، من سمارت فاينانس، نستعرض تفاصيل تحركات الحكومة المصرية لتعويض توقف امدادات النفط الكويتية بسبب الحرب على إيران.
الحرب وإغلاق مضيق هرمز يضربان إمدادات الكويت
وبدأت الأزمة مع تصعيد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، مما أدى إلى إغلاق فعلي لمضيق هرمز – ذلك الممر الحيوي الذي يمر من خلاله نحو 20% من تجارة النفط العالمية، حيث أعلنت الكويت حالة "القوة القاهرة" في 7 مارس الماضي، وخفضت إنتاجها النفطي بشكل كبير، مما أوقف تصدير الخام إلى الأسواق الخارجية.
وكانت مصر تستورد من الكويت ما بين مليون ومليوني برميل شهريًا، بالإضافة إلى كميات أخرى من شركة أرامكو السعودية، وهو ما يشكل جزءًا أساسيًا من احتياجات مصافي التكرير المصرية.
والآن مع امتلاء مرافق التخزين في دول الخليج وعدم قدرة الناقلات على العبور، توقفت التدفقات، مما دفع أسعار النفط العالمية لتجاوز 115 دولارًا للبرميل.
وهذا الارتفاع السريع يزيد من فاتورة الطاقة المصرية، التي كانت قد ارتفعت بالفعل بسبب ارتفاع أسعار الغاز والديزل.

تفاصيل الاتفاق المصري-الليبي
ووفقًا لوكالة بلومبرج، التي نقلت عن مصادر مطلعة، ستشحن ليبيا شحنتين شهريًا إلى مصر بإجمالي 1.2 مليون برميل من النفط الخام.
وجاء الاتفاق بعد مفاوضات مكثفة بين الجانبين، ويعتبر استجابة فورية لطلب الهيئة المصرية العامة للبترول، وليبيا، العضو في أوبك، تنتج حاليًا حوالي 1.37 مليون برميل يوميًا – أعلى معدل في عقد – مما يمنحها مرونة لتلبية الطلب المصري دون التأثير على التزاماتها التصديرية الأخرى.
وهذا التعاون ليس جديدًا تمامًا، فقد وقع البلدان في فبراير الماضي مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون في قطاع النفط والغاز والتكرير، مما يمهد الطريق لشراكة أعمق.
ويرى خبراء أن القرب الجغرافي بين مصر وليبيا – عبر الحدود البرية المشتركة – يقلل من تكاليف النقل مقارنة بالإمدادات البعيدة من الخليج، ويضمن تدفقًا أكثر أمانًا في ظل الاضطرابات البحرية.
تأثير الأزمة على الاقتصاد المصري
وتواجه مصر تحديات مزدوجة منها نقص في الخام وارتفاع أسعار المنتجات البترولية، حيث تستهلك البلاد نحو 12 مليون طن من الديزل و6.7 ملايين طن من البنزين سنويًا، وهي مستورد صافٍ للغاز الطبيعي.
ولمواجهة ذلك، أعلنت الحكومة هذا الأسبوع إجراءات ترشيد طاقة تشمل إغلاق المقاهي والمتاجر والمطاعم في ساعات مبكرة، مما أثار جدلاً في الشارع المصري الذي يعتمد على الحياة الليلية.
ويقدر خبراء اقتصاديون أن فاتورة الطاقة الشهرية قد ارتفعت من 1.2 مليار دولار في يناير إلى 2.5 مليار دولار حاليًا، مما يضغط على الموازنة العامة.
ومع ذلك، يرى محللون في الاتفاق الليبي خطوة إيجابية نحو تنويع مصادر الإمداد، خاصة أن ليبيا أثبتت استقرار إنتاجها رغم التحديات السياسية الداخلية.
السياق الإقليمي والتوقعات المستقبلية
ويأتي هذا التحرك المصري في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط توترًا غير مسبوق، فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب هدد مرارًا بتدمير منشآت نفطية إيرانية إذا لم يفتح المضيق، بينما تؤكد طهران أن الممر مغلق أمام "السفن المعادية".
أما الكويت، فتتوقع استعادة إنتاجها الكامل خلال 3-4 أشهر بعد انتهاء الحرب، لكن الخبراء يحذرون من أن الأزمة قد تطول.
وبالنسبة لمصر، يعزز الاتفاق مع ليبيا أمنها الطاقي ويفتح آفاقًا لتعاون أوسع في التكرير المشترك، ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر في خفض الاعتماد على الواردات طويل الأمد، من خلال زيادة الإنتاج المحلي وتطوير مصادر الطاقة المتجددة.
ويعد التوجه المصري السريع نحو ليبيا نموذجًا للدبلوماسية الاقتصادية في أوقات الأزمات، وإذا نجح الاتفاق في الحفاظ على استقرار أسواق الوقود المحلية، فقد يصبح نموذجًا لدول أخرى تواجه نفس الضغوط، ولكن الرهان الحقيقي يبقى على انفراج سريع للأزمة الإقليمية، قبل أن تتحول تداعياتها إلى أزمة اقتصادية شاملة تطال الجميع.