عمرو عامر يكتب: بلتون.. ثقة تبخرت ومستقبل في مهب الريح
في قانون الأسواق الأزلي (الثقة هي رأس المال الحقيقي) وبدونها لا كيان يملك الاستمرار ولا نشاط يمكن أن ينجح في بيع الوهم للآخرين أو تقديم صور مزيفة مبالغ فيها عن قدراته وتضخيم الذات بالأرقام والبيانات والتوقعات.. وكم من كيانات تضخمت كجبل وهوت كبيت العنكبوت بسبب الخطأ في فهم طبيعة ولغة الأسواق التي تعتمد على الشفافية والوضوح والأرقام التي لاتحيد وبيانات لا تحتمل ومؤشرات واضحة وضوح الشمس.
مقدمة ماسبق كان تمهيدا لتسليط الضوء على كيانات قامت على التضخم المزيف والأرقام المنتفخة والتوقعات الوردية.. فما تزال الساحة المالية المصرية تعيش حالة من الصدمة على وقع واحدة من أعنف الهزات الارتدادية في قطاع الاستثمار الائتماني، بطلها غير المباشر هذه المرة هي مجموعة "بلتون القابضة"، فرغم أن العقوبات لم تصدر بحق الشركة بشكل مباشر، إلا أن "الفيتو" الرقابي الصارم الذي رفعه البنك المركزي المصري بوجه المصارف الممولة لها أحدث تصدعات عنيفة في جدار الثقة بين الشركة والقطاع المصرفي، مهدداً بنسف خطط التوسع الطموحة ومستقبل التدفقات النقدية للمجموعة.
بدأت فصول الأزمة تتكشف مع صدور قرار تاريخي وغير مسبوق من البنك المركزي المصري بفرض غرامة مالية باهظة بلغت مليار جنيه على بنك "أبوظبي الأول مصر"، إلى جانب غرامة أخرى وصلت إلى 170 مليون جنيه على بنك "الكويت الوطني مصر"، فضلاً عن قرارات إدارية قاسية شملت إقالة مسؤولي مخاطر الائتمان.
السبب وراء هذه القرارات الحازمة كان ثابتاً: "مخالفة إجراءات إصدار تسهيلات ائتمانية ضخمة لصالح شركة بلتون، واستخدام تلك التمويلات في غير الغرض المخصص لها"... وياله من اتهام خطير ضرب جدار الثقة في بلتون في الصميم وأعاد تقييمها في السوق المصري وتوقفت التوقعات لإعادة فحص أرقامها المعلنة وأعاد الجميع حساباتهم مع الشركة بعد أن تبددت الثقة وحل محلها الشك.
هذه الخطوة من كبار المنظمين في السوق لم تكن مجرد عقوبة لبنوك خالفت القواعد، بل كانت بمثابة رسالة تحذيرية شديدة اللهجة للقطاع المصرفي بأكمله حول طبيعة وحدود تمويل الأنشطة الاستثمارية لشركات الاستثمار المالي، وتحديداً "بلتون".
عزوف البنوك: تجفيف منابع السيولة بـ "أثر فوري"
التحدي الأكبر والقاتل الذي يواجه بلتون حالياً ليس العقوبة المالية ذاتها، فالشركة أعلنت امتلاكها لملاءة مالية قوية؛ أو هكذا أرادت أن توحي بالأمر بل يكمن التحدي في "شبح تجفيف السيولة.
المعادلة الاقتصادية واضحة ولا ترحم
بعد الغرامة المليارية، دخلت البنوك العاملة في مصر مرحلة "التحوط المفرط" والعزوف الفوري عن منح أي تمويلات قصيرة أو متوسطة الأجل للشركة خوفاً من الوقوع تحت المقصلة الرقابية فلا شيء يستحق المخاطرة في سبيل شركة لم تحترم أصحاب الأسهم ولا تقدر العملاء وخانت ثقة الشركاء..
الأخطر في الأمر أن المذكرات البحثية لكبرى شركات تداول الأوراق المالية (مثل الأهلي فاروس) سارعت إلى التحذير من أن هذا العزوف سينعكس سلباً وبشكل مباشر على قدرة بلتون في اقتناص التمويلات، متوقعة ضغوطاً بيعية قوية على السهم قد تدفعه للتراجع بنسب حادة حتى تتضح الرؤية.
تهديد مستقبل "بلتون"
في العادة تعتمد الشركات الاستثمارية الكبرى في نموذج عملها على مايسمى "الرافعات المالية" والتمويلات البنكية المستمرة لتغذية الأنشطة المتعددة، بدءاً من التمويل الاستهلاكي مرواً بالتمويل العقاري، والتأجير التمويلي، وصولاً إلى أدوات توريق السندات وعليه فإن العزوف البنكي يضع مستقبل الشركة أمام ثلاثة سيناريوهات معقدة منها تباطؤ حاد في خطط النمو والتوسع فبالرغم من النمو الذي حققته الشركة في حجم الأصول المدارة والتمويل الاستهلاكي، إلا أن استدامة هذا النمو تتطلب تدفقات تمويلية مستمرة ومع انقطاع حبل الود مع البنوك يعني بالضرورة كبح جماح التوسع والاعتماد فقط على الموارد الذاتية، وهو أمر غير كافٍ لشركة بحجم "بلتون" ما يهدد مستقبلها بشكل كبير ومباشر كضربة في القلب.
معركة استعادة الثقة مع "المركزي" والأسواق
سيكون على الإدارة التنفيذية لبلتون، والجهة الخليجية المالكة ، خوض معركة حاسمة لإثبات الالتزام الصارم بقواعد الحوكمة وفصل أغراض التمويل، فالأزمة الحالية هزت صورتها ككيان ملتزم باللوائح المنظمة، وتحتاج الشركة لطمأنة الشركاء بأن أموال التمويل تذهب لمساراتها الشرعية.
إذا ما رغبت بلتون في الحصول على تمويلات جديدة مستقبلاً، فإن البنوك -إن وافقت- ستفرض شروطاً ائتمانية بالغة التعقيد وأسعار فائدة محملة بمخاطر عالي، مما يرفع تكلفة التشغيل ويقلص هوامش الربحية.
بدون شك أزمة أو مصيبة"بلتون" الحالية ليست أزمة أرقام أو خسائر دافترية مباشرة، بل هي أزمة ثقة ائتمانية وحوكمة، وإن قدرة الشركة على عبور هذه العاصفة تتوقف على مدى سرعة ومصداقية خطوات التصحيح الداخلي، والقدرة على فتح قنوات تمويل بديلة غير مصرفية، وإلا فإن طموحات التحول إلى عملاق مالي إقليمي قد تظل رهينة "الفيتو" الرقابي الذي فرضه البنك المركزي.. وصرحا من خيال فهوى
