الرئيس السيسي يتحرك.. كيف تخطط مصر لتحويل تنزانيا إلى بوابة للأمن الغذائي المصري؟
في خطوة تعكس تحولًا مهمًا في استراتيجية الدولة المصرية لتعزيز أمنها الغذائي، حملت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تنزانيا، والتي جرت يوم السبت 18 يوليو 2026، رسائل اقتصادية وزراعية تتجاوز إطار العلاقات الثنائية التقليدية.
وقد أعلن الرئيس السيسي، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيسة التنزانية سامية صلوحو حسن، الاتفاق على دراسة إطلاق مشروع لاستصلاح الأراضي الزراعية في تنزانيا، بما يهدف إلى تحقيق الأمن الغذائي للبلدين، وتلبية الاحتياجات من المحاصيل الاستراتيجية، مع التوسع لاحقًا في الإنتاج المخصص للتصدير.
ويكشف هذا التوجه عن رؤية مصرية جديدة تعتمد على الاستثمار الزراعي خارج الحدود، خاصة في الدول التي تمتلك مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة وموارد مائية وفيرة، في ظل التحديات التي تواجهها مصر نتيجة محدودية الأراضي الزراعية والضغوط المتزايدة على الموارد المائية، بما يجعل تنزانيا مرشحة لتصبح إحدى أهم بوابات الأمن الغذائي المصري خلال السنوات المقبلة.
مشروع زراعي استراتيجي بين مصر وتنزانيا
وأكد الرئيس السيسي أن المباحثات مع القيادة التنزانية تناولت فرص البدء في مشروع لاستصلاح الأراضي داخل تنزانيا، على أن يستهدف إنتاج المحاصيل الأساسية والاستراتيجية التي يحتاجها البلدان، مع تنفيذ المشروع على مراحل متتالية، وصولًا إلى إنتاج فائض للتصدير.
ويمثل هذا الإعلان تحولًا لافتًا في طبيعة التعاون المصري الأفريقي، حيث ينتقل من تنفيذ مشروعات البنية التحتية فقط إلى الاستثمار المباشر في الإنتاج الزراعي، وهو ما يمنح مصر فرصة لتنويع مصادر الغذاء وتقليل الاعتماد على الأسواق العالمية التي شهدت خلال السنوات الأخيرة اضطرابات كبيرة بسبب الأزمات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الشحن.
لماذا اختارت مصر تنزانيا؟
وتمتلك تنزانيا مقومات تجعلها واحدة من أكثر الدول الأفريقية جذبًا للاستثمارات الزراعية، إذ تتميز بوفرة الأراضي الصالحة للزراعة، وتنوع المناخ، ووجود موارد مائية كبيرة مقارنة بالعديد من الدول الأخرى في المنطقة.
كما أن العلاقات المصرية التنزانية شهدت تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الماضية، خاصة بعد نجاح الشركات المصرية في تنفيذ مشروع سد "جوليوس نيريري"، الذي عزز الثقة بين البلدين وفتح الباب أمام تنفيذ مشروعات تنموية جديدة في قطاعات متعددة، من بينها الزراعة والطاقة والنقل والخدمات اللوجستية.
الأمن الغذائي.. أولوية على أجندة الدولة المصرية
ويتزامن التحرك المصري نحو تنزانيا مع اهتمام متزايد من القيادة السياسية بملف الأمن الغذائي، حيث تابع الرئيس السيسي خلال الأشهر الماضية منظومة الأمن الغذائي وموقف المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية، في إطار خطة تستهدف تعزيز قدرة الدولة على مواجهة أي اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية.
وتتبنى الدولة منذ سنوات استراتيجية تعتمد على محورين رئيسيين؛ الأول هو التوسع في الرقعة الزراعية داخل مصر من خلال مشروعات الاستصلاح الكبرى، والثاني هو البحث عن فرص للاستثمار الزراعي الخارجي في الدول الأفريقية ذات الإمكانات الكبيرة، لضمان توفير احتياجات السوق المحلية بصورة أكثر استدامة.
رؤية تتجاوز الزراعة إلى التكامل الاقتصادي
ولم يقتصر التعاون بين القاهرة ودار السلام على ملف الزراعة، بل شمل أيضًا قطاعات النقل البحري، والموانئ، والطاقة، والصناعة، والدواء، والبنية التحتية.
وكشف الرئيس السيسي عن مناقشة مقترح إنشاء خط ملاحي مباشر بين ميناء سفاجا المصري وميناء دار السلام التنزاني، بالإضافة إلى دراسة إنشاء ممر متعدد الوسائط يربط القاهرة بدار السلام، بما يسهم في تسهيل حركة التجارة ونقل المنتجات الزراعية بين البلدين، ويخفض تكاليف النقل، ويرفع كفاءة سلاسل الإمداد.
القطاع الخاص في قلب الخطة
وحرص الرئيس السيسي خلال مشاركته في منتدى الأعمال المصري التنزاني على توجيه رسالة واضحة بأن نجاح هذه المشروعات يعتمد بصورة كبيرة على دور القطاع الخاص، مؤكدًا أن الحكومتين تعملان على إزالة العقبات أمام المستثمرين وتشجيع ضخ استثمارات جديدة في مختلف القطاعات.
ويمنح هذا التوجه الشركات المصرية فرصة للتوسع داخل الأسواق الأفريقية، سواء في مجالات الزراعة أو الصناعات الغذائية أو الخدمات اللوجستية، بما يعزز من حضورها الإقليمي ويخلق فرصًا تصديرية جديدة.
فوائد متوقعة للاقتصاد المصري
وإذا تم تنفيذ المشروع الزراعي المشترك، فمن المتوقع أن يحقق عددًا من المكاسب المهمة، أبرزها تنويع مصادر استيراد المحاصيل الاستراتيجية، وتقليل مخاطر تقلبات الأسواق العالمية، وزيادة فرص الشركات المصرية للاستثمار في أفريقيا، إلى جانب تعزيز صادرات المنتجات الزراعية والغذائية مستقبلًا.
كما يمكن أن يسهم المشروع في نقل الخبرات المصرية في مجالات الري الحديث والاستصلاح والإدارة الزراعية إلى تنزانيا، وهو ما يعزز التعاون الفني بين البلدين ويخلق شراكة طويلة الأجل قائمة على تبادل المصالح والخبرات.
هل تصبح تنزانيا بوابة مصر الغذائية في أفريقيا؟
وتشير المؤشرات إلى أن التحرك المصري لا يقتصر على تنفيذ مشروع زراعي منفرد، بل يعكس رؤية أوسع لبناء شراكات استراتيجية داخل القارة الأفريقية، تعتمد على الاستثمار والإنتاج والتكامل الاقتصادي بدلًا من العلاقات التجارية التقليدية فقط.
ومع توافر الأراضي الزراعية الواسعة في تنزانيا، وربطها مستقبلًا بممرات لوجستية وخطوط نقل بحرية مباشرة مع مصر، قد تتحول الدولة الواقعة في شرق أفريقيا إلى مركز رئيسي لإنتاج المحاصيل الاستراتيجية التي تحتاجها السوق المصرية، وهو ما يمثل خطوة جديدة في مسار بناء منظومة أكثر استدامة للأمن الغذائي، وتعزيز قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة التحديات العالمية المرتبطة بالغذاء وسلاسل الإمداد.