مستندات تكشف مخالفات مالية وإدارية داخل مياه الإسكندرية

صورة ضوئية من تقرير
صورة ضوئية من تقرير جهاز المركزي للمحاسبات

في وقت ترفع فيه الدولة شعار «لا تهاون مع الفساد»، وتتحرك أجهزتها الرقابية والتنفيذية لإحكام السيطرة على المال العام، تأتي مستندات الفحص لتكشف جانبًا آخر داخل واحدة من شركات قطاع الأعمال الخدمية.

هنا لا نتحدث عن أرقام عابرة أو أخطاء حسابية محدودة، وإنما عن ملايين الجنيهات، وعقود تضاعفت قيمتها، ومكافآت عليها علامات استفهام، ومبالغ صُرفت دون مستندات كافية، ومشروعات تأخرت، ومصروفات تحملتها الشركة دون استردادها.

والأكثر إثارة أن هذه الوقائع لم تأتِ من مصادر مجهولة أو معلومات متداولة، وإنما تظهر في أوراق وتقارير فحص رسمية رصدت تفاصيل مالية وإدارية داخل شركة مياه الشرب بالإسكندرية حيث  تكشف تقارير رسمية صادرة عن الجهاز المركزي للمحاسبات – إدارة مراقبة حسابات المرافق عن حزمة من الملاحظات والمخالفات المالية والإدارية داخل شركة مياه الشرب بالإسكندرية عن السنة المالية 2025/2026، تتعلق بالمكافآت والأجور، والسلف والمشتريات، والعقود والمناقصات، والتأمين على الأصول، والخدمات العلاجية، إلى جانب قصور في الأرشفة وحماية الممتلكات.

وتطرح الأرقام الواردة في أوراق الفحص تساؤلات واسعة حول آليات الرقابة الداخلية، ومدى الالتزام بالقواعد واللوائح المنظمة، والمسؤولية عن تحميل الشركة مبالغ كان يمكن تجنبها.

مكافآت بالملايين.. وفروق ضريبية تقترب من 7 ملايين جنيه

في ملف الأجور والمكافآت، رصد التقرير صرف مبالغ تحت مسميات «مكافآت تشجيعية» و«جهود غير عادية»، إلى جانب ملاحظات بشأن تكرار صرف بدلات السهر عن الأيام ذاتها، وصرف بعض المكافآت خارج المنظومة الإلكترونية.

وبحسب المستندات، ترتب على عدم إدراج كامل المكافآت بالمنظومة الإلكترونية فارق ضريبي غير مسدد بلغ نحو 6.686 مليون جنيه حتى يونيو 2026، فضلًا عن تحمل الشركة غرامات تأخير بلغت 12.984 مليون جنيه، مع وجود مطالبة ضريبية بقيمة 89.97 مليون جنيه عن سنوات مالية سابقة.

كما أظهرت أعمال الفحص عدم وجود مستندات تثبت تسليم مكافآت بقيمة إجمالية تصل إلى 3.4 مليون جنيه، وهو ما يستوجب التحقق من المستفيدين الفعليين من تلك المبالغ.

سلف ومشتريات إلى حسابات شخصية

ومن بين الملاحظات التي تضمنتها المستندات، تحويل سلف ومبالغ خاصة بمشتريات إلى حسابات شخصية لبعض المسؤولين ومستشارين ماليين سابقين، بدلًا من تحويلها إلى الجهات الموردة أو خزينة الشركة.

كما رصد التقرير تجاوز مدد التصفية المقررة لبعض السلف دون توقيع غرامات تأخير، بما يثير تساؤلات بشأن إجراءات المتابعة والمراجعة المالية.

عقد يقفز من 3 ملايين إلى 25 مليون جنيه

في ملف العقود والمشروعات، تكشف المستندات عن واقعة لافتة تتعلق بعقد صيانة مواسير البولي إيثيلين رقم 1595، حيث ارتفعت قيمته من نحو 3 ملايين جنيه إلى 25 مليون جنيه بموجب قرارات إسناد وتعديلات متتالية، بزيادة تقارب 733%.

كما أشار الفحص إلى إعادة طرح وإلغاء بعض المناقصات على مدار سنوات بسبب مشكلات تتعلق بالشروط والتواريخ، فضلًا عن ملاحظات بشأن توريد أحبار وطابعات ثبت انتهاء صلاحية بعضها أو عدم مطابقته للمواصفات الفنية.

شيك لمحرك لم يصل.. ووقود لسيارة متوقفة

ومن الوقائع التي تستحق التوقف عندها، إصدار شيك بقيمة 128.5 ألف جنيه لأحد الموردين لشراء محرك سيارة، قبل إلغاء الشيك لاحقًا لعدم جدية المورد وعدم توريد المحرك.

لكن المستندات تشير في الوقت نفسه إلى صرف وقود للسيارة ذاتها بنحو 4.7 ألف جنيه خلال الفترة التي كانت فيها السيارة متوقفة بسبب عدم وجود المحرك، وهو ما يفتح باب التساؤل حول إجراءات متابعة السيارات واستهلاك الوقود.

مشروعات متأخرة ومستخلصات رغم عدم اكتمال الأعمال

امتدت ملاحظات الجهاز المركزي للمحاسبات إلى عدد من المشروعات، من بينها أعمال إنشاء وترميم وتأهيل محطات مريوط 2، والنزهة، وأبيس 7/5.

وبحسب ما ورد في التقرير، شهدت بعض الأعمال تأخرًا في التنفيذ، مع صرف دفعات ومستخلصات ختامية للمقاولين رغم عدم انتهاء الأعمال وفق المواعيد المحددة، وهو ما يستدعي مراجعة إجراءات صرف المستحقات ومدى ارتباطها بنسب التنفيذ الفعلية.

تأمين منذ 2006.. دون منافسة

وفي ملف التأمين على ممتلكات الشركة، رصد التقرير استمرار التعاقد المباشر مع شركة تأمين واحدة منذ عام 2006 دون إجراء مناقصات أو الحصول على عروض أسعار منافسة، وفقًا لما ورد بالمستندات.

كما دفعت الشركة أقساطًا سنوية لتأمين حفارات تعمل داخل مواقعها ولا تخرج إلى الطرق، بلغت نحو 118.345 ألف جنيه.

وفي ملف شبكات المياه، بلغت أقساط التأمين نحو 500 ألف جنيه سنويًا، بينما أشار التقرير إلى عدم حصول الشركة على تعويضات عن كسور الشبكات طوال فترة امتدت لنحو عشر سنوات، مع قيام الشركة بإصلاح تلك الكسور داخليًا وعلى نفقتها دون إبلاغ شركة التأمين، وفقًا لما جاء في أوراق الفحص.

علاج أسري يتجاوز الموازنة بـ51 مليون جنيه

وفي قطاع الخدمات الطبية والعلاج الأسري، بلغت المطالبات والمبالغ المصروفة والمستحقة أكثر من 104.873 مليون جنيه، بما يمثل تجاوزًا للموازنة المعتمدة بنسبة 96.58%، وبزيادة تقدر بنحو 51.080 مليون جنيه.

كما أظهرت المستندات تحمل الشركة تكاليف علاج لأبناء عاملين تجاوزوا سن 27 عامًا، بقيمة أمكن حصرها في 154.860 ألف جنيه، دون التحقق الكامل من موقفهم التأميني أو تقديم مستندات تثبت عدم عملهم.

وكشف التقرير كذلك عن تحمل الشركة تكاليف علاج عاملين تابعين لهيئة المجتمعات العمرانية بمدينة برج العرب بقيمة 187.796 ألف جنيه منذ عام 2018، دون محاسبة الجهة التابعة لها أو استرداد تلك المبالغ، وفقًا لما ورد بالمستندات.

أراضٍ بلا حراسة.. وأرشيف بلا حماية إلكترونية

ولم تتوقف الملاحظات عند الإنفاق، وإنما امتدت إلى منظومة الإدارة وحماية الأصول.

فقد أشار التقرير إلى عدم التزام الشركة بإنشاء نظام أرشفة إلكترونية لحفظ المستندات وملفات الطرق والتعاقدات، بما قد يعرضها للتلف أو الفقد.

كما تضمنت الملاحظات عدم توفيق أوضاع السجل التجاري بما يتناسب مع زيادة رأس المال المقررة، إلى جانب وجود أراضٍ مخصصة للشركة خارج نطاق المدينة يصعب توفير الحراسة الكافية لها، مع عدم كفاية أعداد أفراد الأمن لتغطية المواقع المختلفة.

أسئلة لا يمكن أن تختفي خلف الأوراق

الأرقام الواردة في مستندات الفحص لا تتعلق بملاحظة مالية عابرة، وإنما تمتد إلى منظومة كاملة تشمل المكافآت والضرائب والعقود والمناقصات والتأمين والعلاج والأصول والأرشفة.

وبين فارق ضريبي بالملايين، وغرامات تأخير، وعقود تضاعفت قيمتها، ومستخلصات لمشروعات متأخرة، ومبالغ علاج تجاوزت الموازنة، وأصول تحتاج إلى حماية وتأمين أكثر فاعلية، تبدو الحاجة واضحة إلى فحص المسؤوليات وتحديد أوجه القصور، والتأكد من الإجراءات التي اتخذتها الشركة حيال ما ورد في تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات.

تم نسخ الرابط