العد التنازلي بدأ.. مصر على بعد خطوات من تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي

الغاز الطبيعي
الغاز الطبيعي

في ظل التحديات الاقتصادية العالمية والتوترات الجيوسياسية، تبرز مصر كلاعب رئيسي في سوق الطاقة الإقليمي، حيث تسعى الحكومة إلى استعادة الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي.

وبعد سنوات من الاعتماد على الواردات، يهدف البرنامج الوطني إلى رفع الإنتاج اليومي إلى 6.6 مليار قدم مكعبة بحلول عام 2027، لسد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك الذي يتجاوز حالياً 6.5 مليار قدم مكعبة يومياً.

وهذا التقرير، من سمارت فاينانس، نستعرض الخطط والإنجازات الأخيرة، لنوضح ما الذي قد يجعل مصر تحقق هذا الهدف الطموح مرة أخرى.

استراتيجية مصر لزيادة إنتاج الغاز الطبيعي

وتسعى مصر إلى زيادة إنتاج الغاز بنسبة 57% من المعدل الحالي البالغ 4.2 مليار قدم مكعبة يومياً، مدفوعة بإنجازات 2024-2025.

وتعتمد الخطة على أربعة محاور رئيسية: تعزيز الاستكشاف، حفر الآبار الجديدة، سداد مستحقات الشركاء، وتنمية الحقول القائمة.

وهذه الاستراتيجية ليست مجرد خطة، بل رد فعل على ارتفاع الطلب في القطاعين الصناعي والكهربائي، حيث ينمو الاستهلاك بنسبة 5% سنوياً.

وفي الربع الثالث من 2025، أعلنت وزارة البترول عن إضافة 1.85 تريليون قدم مكعبة إلى المخزون الوطني، من خلال 29 اكتشافاً في البحر المتوسط، الصحراء الغربية، وخليج السويس.

كما أسندت 9 قطاعات بحث جديدة، مع توقيع 6 اتفاقيات باستثمارات 479 مليون دولار ومنح توقيع بقيمة 14.5 مليون دولار، وهذه الإنجازات، التي أكدتها تقارير الوزارة في أكتوبر 2025، تضع مصر على طريق الاكتفاء الذاتي، شريطة استمرار الاستثمارات.

مزايدات عالمية ومناطق استكشاف جديدة

ولجذب الاستثمارات الأجنبية، تخطط مصر لإطلاق مزايدتين عالميتين في 2026 للتنقيب في المياه العميقة بالبحر المتوسط والبحر الأحمر، وهذا التحرك يأتي بعد تجهيز 16 منطقة استكشاف، بما في ذلك 11 منطقة جديدة في الصحراء الغربية (غرب أسيوط) التي تغطي 10% من مساحة مصر.

ووفقاً لخطة الوزارة، سيتم طرح أكثر من 5 مناطق في البحر المتوسط عبر مزايدة عالمية في 2026، مدعومة ببيانات مسح سيزمي حديثة.

وبوابة مصر للاستكشاف، التي أطلقتها الحكومة في 2024، تسهل على الشركاء دراسة المناطق وخطط الحفر.

الغاز الطبيعي
الغاز الطبيعي

وفي نوفمبر الجاري، أعلنت الوزارة عن إكمال مسوحات سيزمية في خليج السويس، مما يفتح أبواباً لأحواض جيولوجية بكر، وهذه الخطوات، التي تتوافق مع اتجاهات السوق العالمية للطاقة النظيفة، قد تضمن اكتشافات جديدة تعادل حجم حقل "ظهر"، الذي غير وجه الطاقة المصرية في 2015.

خطط حفر الآبار الاستكشافية

ويعد حفر الآبار الركيزة الأساسية للزيادة الإنتاجية، حيث تخطط مصر لحفر 101 بئر في 2026، موزعة على 67 في الصحراء الغربية، 14 في البحر المتوسط، والباقي في دلتا النيل وخليج السويس.

وهذا البرنامج، الذي أعلنه وزير البترول كريم بدوي في قمة الطاقة العالمية 2025، سيضيف مئات الملايين من الأقدام المكعبة يومياً.

وعلى المدى الطويل، يستهدف حفر 480 بئر استكشافية باستثمارات 5.7 مليار دولار حتى 2030. 
وشركات مثل "إيني" الإيطالية (8 مليارات دولار) و"بي بي" البريطانية (5 مليارات دولار) ملتزمة بضخ رؤوس أموال هائلة، ففي أكتوبر 2025، أعلنت "إيجاس" عن إضافة 100-120 مليون قدم مكعبة يومياً من بئر "نور1"، وزيادة إنتاج حقل "ظهر" إلى 2 مليار قدم مكعبة في 2026.

كما بدأت "بي بي" و"فالاريس" حفر 5 آبار جديدة في البحر المتوسط، عقب نجاح "فيوم-5" و"الكينج-2"، وهذه الجهود، التي ساهمت في توقيع 21 اتفاقية بـ1.1 مليار دولار في 2024، أوقفت التراجع الإنتاجي وأضفت 300 بئر إلى الخريطة الإنتاجية.

سداد مستحقات الشركاء وحوافز الاستثمار

ويشكل سداد الديون للشركاء الأجانب (1.7-2 مليار دولار) مفتاح الثقة، فالحكومة ملتزمة بإغلاق الملف بحلول 2026، مع سداد 750 مليون دولار في الربع الأول.

وفي 25 نوفمبر 2025، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال لقائه برئيس "إيني" كلاوديو ديسكالزي، التزام مصر بهذا الأمر لجذب المزيد من الاستثمارات.

وتشمل الحوافز السماح بتصدير جزء من الحصص لسداد الديون، رفع أسعار شراء الغاز في المياه العميقة، وإدراج "معامل الربحية" في الاتفاقيات.

وخبير البترول مدحت يوسف يرى أن هذه الإجراءات ستضاعف الاستكشافات، مما يعوض عن التراجع السابق ويضمن جدوى اقتصادية.

تنمية الحقول القائمة وربط الآبار الجديدة

وتركز مصر على تنمية الحقول الحالية، حيث أضيفت 30 مليون قدم مكعبة يومياً من بئر غرب البرلس في 2025، و65 مليون من "ظهر-6" في أغسطس، و60 مليون من غرب الدلتا.

وفي سبتمبر، بدأ إنتاج "NUT-1" بـ50 مليون، ومرحلة "ب" الثالثة بـ34 مليون، حيث تهدف "إيجاس" إلى إضافة 2.2 تريليون قدم مكعبة من البحر المتوسط في 2025-2026، بدعم من الشركاء في نقل التكنولوجيا والتمويل.

تأثير الاكتفاء الذاتي على فاتورة الاستيراد

ويقدر خبير رمضان أبو العلا أن كل 500 مليون قدم مكعبة إضافية توفر 25-30% من فاتورة الواردات، التي بلغت 2.7 مليار قدم مكعبة في ذروة الصيف، ومع إمكانية زيادة 20% سنوياً من الاكتشافات و10% من التنمية، يمكن لمصر خفض الاعتماد على الواردات عبر الأنابيب والغاز المسال.

ومع استمرار الاستثمارات والاكتشافات، يبدو الهدف قاب قوسين أو أدنى، وبحلول 2027، قد تعيد مصر كتابة تاريخها كمركز إقليمي للغاز، مما يعزز الاقتصاد ويضمن الاستقرار في مجال الطاقة.

تم نسخ الرابط