QNB: الذكاء الاصطناعي يدفع الاقتصاد الأمريكي إلى تحول نوعي ودورة نمو أكثر استدامة
أكد بنك قطر الوطني (QNB) أن الاقتصاد الأمريكي يقترب من مرحلة تحول نوعي بعد سنوات طويلة من ضعف الإنتاجية الناجم عن قيود هيكلية مزمنة، مشيرًا إلى أن التقدم السريع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي يفتح الباب أمام دورة نمو جديدة قد تكون أكثر استدامة على المدى الطويل.
وأوضح التقرير الأسبوعي للبنك أن تأثير هذا التحول لن يقتصر على الولايات المتحدة وحدها، بل من المتوقع أن تمتد مكاسبه إلى اقتصادات أخرى، خاصة في آسيا والشرق الأوسط، في ظل تعزيز هذه المناطق لاستثماراتها في سلاسل التوريد وتقنيات الذكاء الاصطناعي. كما أن تراجع كلفة تبني هذه التقنيات يسرّع من وتيرة انتشارها عالميًا، ما يدعم فرص تحقيق دفعة ملموسة للنمو الاقتصادي العالمي خلال المدى المتوسط.
الإنتاجية محرك الازدهار طويل الأجل
وأشار التقرير إلى أن نمو الإنتاجية يُعد العامل الأهم في تحقيق الازدهار الاقتصادي المستدام، إذ يحدد وتيرة النمو الممكنة دون ضغوط تضخمية، ويرتبط مباشرة بتحسن مستويات المعيشة وقدرة الاقتصادات على دعم زيادات مستمرة في الأجور. ولفت إلى أن نمو الإنتاجية في الولايات المتحدة شهد تقلبات حادة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث تعاقبت فترات ازدهار قوية مع مراحل طويلة من التباطؤ.
وبحسب البيانات التاريخية، بلغ متوسط نمو إنتاجية العمال نحو 3% سنويًا في العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، قبل أن يبدأ التباطؤ التدريجي مع نضوج الابتكارات التكنولوجية. ورغم أن موجة الإنترنت والتجارة الإلكترونية في منتصف التسعينيات وبداية الألفينيات أعادت الزخم مؤقتًا، فإن الأزمة المالية العالمية في 2007 أوقفت هذا المسار، لتدخل الولايات المتحدة مرحلة طويلة من ضعف الإنتاجية امتدت حتى ما قبل جائحة كوفيد-19.
ما بعد الجائحة.. بوادر تعافٍ وموجة ابتكار جديدة
وذكر التقرير أن فترة ما بعد الجائحة شهدت بوادر تعافٍ في الإنتاجية، ما مهد الطريق لموجة جديدة من الابتكارات تقودها تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وأوضح أن الاقتصادات المتقدمة عانت لعقود من تباطؤ الإنتاجية بسبب عوامل هيكلية، من بينها نضوج التكنولوجيا، وتراجع العائد من البحث والتطوير، واستقرار مستويات التعليم ورأس المال البشري، وهو ما قيّد النمو المحتمل للناتج المحلي ورسّخ تصور الدخول في مرحلة نمو منخفض.
غير أن هذا الإطار التحليلي، بحسب QNB، يواجه اليوم تحديًا جوهريًا مع بروز الذكاء الاصطناعي كثورة تكنولوجية محتملة، لا سيما بعد الطفرة الكبيرة في الذكاء الاصطناعي التوليدي خلال الفترة بين 2020 و2022، ما أعاد طرح تساؤلات محورية حول قدرته على كسر حلقة ضعف الإنتاجية.
عاملان يدعمان التحول الهيكلي
وتستند رؤية بنك قطر الوطني إلى عاملين رئيسيين يفسران التأثير المحتمل للذكاء الاصطناعي على الاقتصاد الأمريكي. يتمثل الأول في الطبيعة الفريدة للذكاء الاصطناعي بوصفه تقنية متعددة الأغراض، لا تقتصر على رفع الكفاءة، بل تمتد إلى توليد المعرفة وتسريع الابتكار وتوسيع الحدود الاقتصادية الممكنة عبر تعزيز القدرات المعرفية البشرية، بما يخفف جزئيًا من القيود التقليدية المرتبطة بالعمل ورأس المال.
أما العامل الثاني، فيتعلق بموجة الإنفاق الرأسمالي الضخمة التي تشهدها الولايات المتحدة بقيادة كبرى شركات التكنولوجيا للاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
واعتبر التقرير أن هذه الاستثمارات، الصادرة عن شركات ذات كفاءة عالية في تخصيص رأس المال، تمثل مؤشرًا قويًا على توقع تحول هيكلي طويل الأمد في وظائف الإنتاج، بما يعزز إنتاجية العمل ويخلق تأثيرات شبكية تُسرّع انتشار التكنولوجيا عبر مختلف القطاعات.
واختتم QNB تقريره بالتأكيد على أن هذه العوامل مجتمعة تهيئ الاقتصاد الأمريكي لدخول دورة نمو جديدة خلال السنوات المقبلة، مع احتمالات بامتداد آثارها الإيجابية إلى الاقتصاد العالمي ككل.

