153 مليار يورو تجارة سنوية مرشحة للانفجار
153 مليار يورو تجارة سنوية مرشحة للانفجار.. بنك QNB يرصد مكاسب ضخمة من اتفاق أوروبا–ميركوسور
توقع بنك قطر الوطني أن تسهم اتفاقية التجارة المرتقبة بين تكتل ميركوسور والاتحاد الأوروبي في تحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة للطرفين، إلى جانب دورها في دعم الجهود العالمية لمواجهة تصاعد النزعات الحمائية وإعادة رسم خريطة التجارة الدولية.
وأوضح البنك، في تقريره الأسبوعي، أن المكاسب المتوقعة في الناتج المحلي الإجمالي — والمدفوعة بتوسع تدفقات التجارة والاستثمار — ستكون أكبر نسبيًا لصالح دول ميركوسور الأقل نموًا، في وقت ينتظر فيه أن يجني الاتحاد الأوروبي فوائد استراتيجية تتعلق بتوسيع وصول شركاته إلى الأسواق، وتعزيز فرص الاستثمار في القطاعات عالية النمو، وتنويع سلاسل التوريد، لا سيما في مجالات انتقال الطاقة والمواد الخام الحيوية.
تكتل ضخم وسوق واعدة
ويضم تكتل ميركوسور كلًا من الأرجنتين والبرازيل وباراغواي وأوروغواي، بينما يُتوقع أن تُنشئ الاتفاقية مع الاتحاد الأوروبي واحدة من أكبر مناطق التجارة الحرة في العالم، تمتد عبر 31 دولة ويقطنها نحو 721 مليون نسمة، وتمثل قرابة 21% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
وأشار التقرير إلى أن هذه الأرقام وحدها تكشف عن الحجم الاستثنائي للفرص الاقتصادية الكامنة في الاتفاقية، سواء على صعيد التجارة السلعية أو تدفقات الاستثمار المباشر أو التكامل الصناعي طويل الأجل بين الكتلتين.
مكاسب أوروبية وتحوّل في سلاسل الإمداد
ورجّح التقرير أن يستفيد الاتحاد الأوروبي من خلال تحسين نفاذ شركاته إلى أسواق أمريكا الجنوبية، وفتح آفاق أوسع للاستثمار في القطاعات المرتبطة بالطاقة المتجددة والمعادن الاستراتيجية والصناعات التحويلية، إلى جانب تقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على موردين محدودين، عبر تنويع سلاسل التوريد في مرحلة تتسم باضطرابات جيوسياسية وتجارية متزايدة.
في المقابل، ستتمكن دول ميركوسور من الوصول إلى سوق أوروبي ضخم ومرتفع الدخل، بما يعزز صادراتها الزراعية والصناعات الغذائية، ويدعم جهودها الرامية إلى تنويع القاعدة الصناعية وتقليل الاعتماد على تصدير المواد الخام فقط.
تحديات قانونية وسياسية مؤجلة
ورغم توقيع أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، على الاتفاقية مؤخرًا، فإن التقرير لفت إلى أنها لا تزال تواجه تحديات قانونية وسياسية داخل أوروبا، بعدما أحالها البرلمان الأوروبي إلى محكمة العدل الأوروبية للنظر في مدى توافقها مع التشريعات الأوروبية، وهي عملية قد تستغرق ما يصل إلى عامين.
ومع ذلك، أوضح التقرير أنه يمكن تطبيق الاتفاقية بشكل مؤقت إلى حين استكمال المسار القانوني، بما يسمح ببدء جني بعض ثمارها الاقتصادية قبل الانتهاء من إجراءات التصديق النهائية.
الاستثمار الأجنبي.. الرهان الأكبر
وبحسب التقرير، يُتوقع أن تسهم الاتفاقية في زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، خاصة إلى دول ميركوسور، إذ يمثل الاتحاد الأوروبي حاليًا ما بين 35% و45% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة هناك، بقيمة تتجاوز 390 مليار يورو.
ورجّح البنك أنه مع تحسين الضمانات القانونية وفتح الأسواق على نحو أوسع، قد ترتفع هذه الاستثمارات بنسبة تتراوح بين 10% و20% خلال العقد المقبل، وهو ما قد يضيف أكثر من 0.6% إلى الناتج المحلي الإجمالي، في دفعة قوية للنمو وفرص العمل ونقل التكنولوجيا.
سياق عالمي مضطرب
ووضع التقرير هذه التطورات في سياق أوسع للاقتصاد العالمي، مشيرًا إلى أن التوقعات الاقتصادية خلال العام الماضي شهدت تدهورًا ملحوظًا بفعل تصاعد عدم اليقين الجيوسياسي والتحولات في السياسة التجارية الأمريكية، خاصة بعد إعلان إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض تعريفات جمركية شاملة بنسبة 10% على جميع الواردات، مع نسب أعلى على دول مختارة.
وأوضح التقرير أن هذا القرار ترك أثرًا واضحًا على النظام التجاري العالمي، في ظل مخاوف من اضطرابات حادة في سلاسل الإمداد، خصوصًا أن الولايات المتحدة تمثل نحو 26% من الاقتصاد العالمي، بينما كانت متوسط تعريفاتها الجمركية سابقًا أقل من 2%.
من الحماية إلى تعميق الشراكات
ورغم هذه التوترات، أشار التقرير إلى أن الاقتصادات الكبرى لم تنزلق إلى موجة شاملة من الحروب الجمركية، بل على العكس، سعت العديد من الدول إلى تعميق تكاملها التجاري وتنويع شراكاتها لتقليل الاعتماد على السوق الأمريكية.
وفي هذا الإطار، استعادت اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي وميركوسور زخمًا جديدًا بعد أكثر من 25 عامًا من المفاوضات المتعثرة، لتعود إلى الواجهة كأحد أهم مشاريع التكامل التجاري العابر للقارات.
أرقام تكشف فرص التوسع
ووفقًا للتقرير، تنص الاتفاقية على الإلغاء التدريجي للرسوم الجمركية على نحو 92% من التجارة الثنائية، مع فترات انتقالية قد تصل إلى 15 عامًا للسلع الحساسة. ويبلغ حجم التجارة السنوية بين الجانبين حاليًا نحو 153 مليار يورو، وهو رقم لا يمثل سوى أقل من 1% من الناتج المحلي الإجمالي المشترك، ما يعكس — بحسب التقرير — وجود مجال واسع للتوسع والنمو.
خطوة استراتيجية في عالم منقسم
واختتم بنك قطر الوطني تقريره بالتأكيد على أن اتفاقية الاتحاد الأوروبي–ميركوسور تمثل خطوة استراتيجية واقتصادية مهمة في عالم يتجه نحو مزيد من الاستقطاب التجاري، إذ لا تعزز فقط النمو والتكامل الاقتصادي بين كتلتين كبيرتين، بل تعكس أيضًا سعي الاقتصادات الكبرى إلى إعادة تشكيل شبكة علاقاتها التجارية في مواجهة التحولات الجيوسياسية المتسارعة، وبحثها عن توازن جديد بين الانفتاح التجاري وحماية المصالح الاستراتيجية.

