الدولة مش ساكتة.. حرب على سماسرة الدواجن المتلاعبين في الأسواق
في خطوة تصعيدية تجاه ما يعرف بـ"حيتان السوق"، أعلنت النيابة العامة عن إحالة عدد من السماسرة المتورطين في تداول الدواجن البيضاء إلى المحاكمة الجنائية، بتهمة ارتكاب ممارسات احتكارية وتلاعب بالأسعار.
وهذا القرار يأتي في أعقاب ارتفاعات مفاجئة في أسعار الدواجن بلغت 30 جنيهًا في بعض الحالات، مما أثار غضب المستهلكين ودفع الجهات الرسمية إلى التدخل.
ووسط الوضع العالمي الذي يؤثر على السلع الأساسية، ينظر إلى هذه الإجراءات كجزء من حملة أوسع لضبط الأسواق وحماية المنافسة الحرة.
وفي هذا التقرير، من سمارت فاينانس، نستعرض تفاصيل جهود الدولة للسيطرة على أسعار الدواجن، ومحاسبة المتلاعبين في سوق الدواجن.
أزمة أسعار الدواجن في مصر
وشهد سوق الدواجن في مصر تقلبات حادة خلال الأشهر الأخيرة، حيث ارتفعت أسعار الدواجن البيضاء بشكل غير مبرر، مما أدى إلى زيادة الأعباء على الأسر المصرية، خاصة مع اقتراب شهر رمضان.
وتنتج مصر يوميًا نحو مليون صوص، مما يجعل أي ادعاء بأزمة إنتاجية غير منطقي، ومع ذلك، أدت ممارسات بعض الوسطاء إلى تعطيش السوق ورفع الأسعار بشكل مصطنع، حيث بلغت الزيادة في بعض الأيام 30 جنيهًا للكيلوجرام الواحد.
وهذه التقلبات ليست جديدة، فقد شهد السوق أزمات سابقة ناتجة عن المضاربة، لكن الارتفاع الأخير دفع جهاز حماية المنافسة إلى التحرك، معتبرًا أن السماسرة يسيطرون على آليات التسعير دون تدخل حكومي فعال.
وفي سياق اقتصادي يعاني من التضخم، أصبحت الدواجن – كمصدر رئيسي للبروتين – هدفًا للتلاعب، مما يهدد الاستقرار الغذائي لملايين المواطنين.
دور السماسرة في التلاعب بالسوق
ويتهم السماسرة بأنهم "العابثون الحقيقيون" في سوق الدواجن، حيث يعمدون على تنسيق الأسعار يوميًا، وهؤلاء الوسطاء، الذين يقدر عددهم بمجموعة محدودة، يحددون الأسعار بشكل مستقل عن المنتجين أو الاتحادات، مما يؤدي إلى زيادات مفاجئة تصل إلى 100 جنيه للكيلوجرام.
ووفقًا لتحليلات إحصائية، يظهر نمط توازي في الأسعار المعلنة من هؤلاء السماسرة، يتجاوز التقلبات الطبيعية الناتجة عن عوامل مثل التكاليف الإنتاجية أو الاختلافات الجغرافية.
وهذا التوازي يعكس اتفاقات سابقة للرفع أو الخفض أو التثبيت، مما يخل بحرية المنافسة ويؤثر على آليات العرض والطلب.
وفي نقاشات تلفزيونية ساخنة، أكد ممثلو جمعيات المستهلكين أن هذه الممارسات تحول السوق إلى "منظومة محتكرة"، حيث يدير السماسرة كل شيء من خلال شبكاتهم غير الرسمية، مما يجعل المنتجين ضحايا أيضًا.

تفاصيل التحقيقات والإحالة إلى المحاكمة
وبدأت التحقيقات في نيابة الشؤون الاقتصادية وغسل الأموال بناءً على بلاغ من جهاز حماية المنافسة، الذي رصد اتفاقات بين سماسرة للتأثير على الأسعار.
واعتمدت التحقيقات على دراسات فنية واقتصادية متخصصة، بالإضافة إلى تحليل إحصائي لبيانات التسعير وحركة التداول.
وكشفت هذه الدراسات عن ارتباط وثيق بين الأسعار المعلنة، يعكس تنسيقًا مخالفًا لقانون حماية المنافسة، في حين أدلى الشهود بأقوال دعمت هذه الاستخلاصات، مؤكدة أن المتهمين أخلوا بحرية السوق.
وأمرت النيابة بإحالة المتهمين إلى المحاكمة، مشددة على استمرار التصدي للممارسات الاحتكارية لصون الاقتصاد القومي.
وهذا القرار يعتبر ضربة قوية لـ"حيتان الأسواق"، ويؤكد استخدام الأدوات الإحصائية الحديثة لكشف التلاعب الخفي.
آراء الجهات المعنية والخبراء
وانقسمت الآراء حول الأزمة. من جانب اتحاد منتجي الدواجن، نفى ثروت الزيني، نائب الرئيس، وجود احتكار، مشيرًا إلى أن الدواجن سلعة حية يصعب تخزينها، وأن مصر تضم أكثر من 30 ألف منتج يجعل الاحتكار مستحيلاً، متسائلاً: "أين كان الاحتكار عندما بيعت الدواجن بتكلفتها لشهور؟".
وفي المقابل، أكد محمود العسقلاني، رئيس جمعية مواطنون ضد الغلاء، أن الاحتكار يقع عند السماسرة الذين يرفعون الأسعار دون مبرر، مطالبًا بتشديد الرقابة على حلقات التداول.
أما الإعلامي أحمد موسى، فقد وصف الإحالة بـ"الخطوة الرادعة"، داعيًا لتكثيف الرقابة وتوقيع أقصى العقوبات على المتورطين.
التأثيرات على المستهلكين والاقتصاد
وأدت التلاعبات إلى ارتفاع أسعار الدواجن، مما زاد من تكاليف المعيشة للمواطنين، خاصة الطبقات المتوسطة والفقيرة التي تعتمد على الدواجن كمصدر بروتين رخيص.
واقتصاديًا، أضرت هذه الممارسات بالمنافسة الحرة، مما أدى إلى اختلال في العرض والطلب وفقدان الثقة في السوق.
كما أثرت على المنتجين، الذين يبيعون بسعر التكلفة لفترات طويلة، مما يهدد استدامة الصناعة.
ومع اقتراب رمضان، يخشى الخبراء تفاقم الأزمة إلا إذا تم ضبط السوق، حيث يمثل الدواجن جزءًا أساسيًا من الاستهلاك اليومي.
الإجراءات الحكومية المستقبلية والحلول المقترحة
وقررت الحكومة لاستيراد دواجن مجمدة وطرحها في المنافذ قبل رمضان لضبط الأسعار، كما شددت النيابة على استمرار الملاحقة للممارسات الاحتكارية، مع التركيز على الشفافية وتكافؤ الفرص.
واقترح الخبراء حلولاً مثل تعزيز الرقابة الإلكترونية على التسعير، وسحب التراخيص من المتورطين، ومضاعفة الضرائب على المتلاعبين.
ويطالب المستهلكون بعقوبات رادعة تشمل الغرامات والسجن للقضاء على "حيتان الأسواق".