وائل بركات: الدولار عند مستوى 50 جنيهًا يمثل منطقة اختبار للسوق، وليس نهاية الطريق
قال الدكتور وائل بركات مستشار مركز تدريب المنتخبات الوطنية، إنه عندما يصل الدولار إلى مستوى يقترب من 50 جنيهًا مصريًا، فإن السؤال لا يكون مجرد رقم جديد في شاشة البنك، بل يصبح سؤالًا عن مستقبل الاقتصاد بأكمله، وعن اتجاهات الأسواق، وعن قدرة العملة المحلية على الصمود في عالم مضطرب تتغير فيه موازين القوى الاقتصادية والمالية بسرعة غير مسبوقة.
وأضاف عبر صفحته الرسمية على “فيسبوك”: “في الأيام الأخيرة ، شهد السوق المصري قفزة في سعر الدولار ليتجاوز مستوى 50 جنيهًا لأول مرة منذ عدة أشهر قبل أن يميل إلى الاستقرار النسبي في البنوك، بعد موجة ارتفاع مفاجئة ارتبطت بتوترات جيوسياسية في المنطقة وتغيرات في تدفقات رؤوس الأموال العالمية”.
وتابع: “السؤال الحقيقي الذي يشغل المستثمرين والمواطنين معًا هو: هل هذه بداية موجة صعود جديدة؟ أم مجرد حركة مؤقتة في سوق شديد الحساسية؟”
الصورة الكبرى للاقتصاد المصري
وأوضح أنه لفهم ذلك، يجب النظر إلى الصورة الكبرى للاقتصاد المصري، وليس إلى حركة يوم أو أسبوع، مشيرًا إلى أن أول ما يجب إدراكه أن سعر أي عملة لا يتحرك بعشوائية، بل يخضع لعدة عوامل رئيسية أهمها حجم الدولار الداخل إلى الاقتصاد، ومستوى التضخم، وسعر الفائدة، وثقة المستثمرين في الدولة. وفي حالة مصر، هناك تطور مهم حدث خلال الأشهر الماضية، وهو تحسن صافي الأصول الأجنبية في القطاع المصرفي ليصل إلى نحو 29.5 مليار دولار، وهو مستوى قياسي يعكس تحسن تدفقات العملة الأجنبية، خاصة من التحويلات والاستثمارات الخليجية.
ولفت إلى أن هذا العامل تحديدًا يشير إلى أن الاقتصاد المصري بدأ يستعيد بعض التوازن في سوق النقد الأجنبي، وهو ما يخفف الضغط على الجنيه على المدى المتوسط.
وأضاف: “لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن الاقتصاد المصري ما زال يمر بمرحلة انتقالية حساسة، حيث تسعى الدولة إلى تحقيق توازن بين تحرير سعر الصرف وجذب الاستثمارات الأجنبية، وهو ما يعني أن سعر الجنيه أصبح أكثر مرونة، وبالتالي أكثر تأثرًا بالتقلبات العالمية، ولهذا السبب تتباين توقعات المؤسسات المالية العالمية”.
استمرار التدفقات الأجنبية
وأشار إلى أن بعض التقديرات تشير إلى أن الدولار قد يتحرك خلال عام 2026 في نطاق 47 إلى 50 جنيهًا تقريبًا إذا استمرت التدفقات الأجنبية وتحسنت الإيرادات من السياحة وقناة السويس، بينما ترى تقديرات أخرى أكثر تحفظًا أن الدولار قد يقترب من 54 جنيهًا إذا تعرض الاقتصاد لضغوط تمويلية أو ارتفعت احتياجات التمويل الخارجي، وفقًا لبركات.
وأضاف بركات أن هذا التباين في التوقعات لا يعني تضاربًا بقدر ما يعكس حقيقة اقتصادية مهمة: سعر الدولار في مصر أصبح مرتبطًا بمجموعة معقدة من المتغيرات العالمية والمحليةن موضحًا أنه إذا استمرت الاستثمارات الأجنبية، وارتفعت تحويلات المصريين في الخارج، وتحسن النشاط السياحي، فمن المرجح أن يتحرك الدولار في نطاق مستقر نسبيًا حول المستويات الحالية. أما إذا حدثت صدمات خارجية كبيرة - مثل ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا أو اضطرابات جيوسياسية واسعة - فقد يتعرض الجنيه لضغوط جديدة تدفع الدولار إلى مستويات أعلى، بحسب بركات.
وأكد أن هناك مؤشر إيجابي لا يجب إغفاله: فالتوقعات الدولية تشير إلى أن الاقتصاد المصري قد يحقق نموًا يقارب 4.5% خلال عام 2026 مع تراجع التضخم تدريجيًا، وهو ما يعزز الاستقرار النقدي على المدى المتوسط. 
وتابع: “من هنا يمكن القول إن ما يحدث الآن ليس بالضرورة بداية انهيار جديد للجنيه، كما يعتقد البعض، ولا هو عودة سريعة إلى مستويات أقل بكثير كما يتمنى آخرون. بل هو في الأغلب مرحلة إعادة توازن لسعر العملة بعد سنوات من الضغوط والتعديلات الاقتصادية”.
واختتم تصريحاته مؤكدًا أن الحقيقة التي يمكن أن يخرج بها القارئ من المشهد الاقتصادي الحالي هي أن الدولار عند مستوى 50 جنيهًا يمثل منطقة اختبار للسوق، وليس نهاية الطريق. فإما أن ينجح الاقتصاد المصري في تثبيت هذا المستوى أو أقل قليلًا مع تحسن التدفقات الدولارية، وإما أن تتحرك الأسعار تدريجيًا إلى نطاق أعلى إذا واجهت البلاد ضغوطًا خارجية جديدة، وفقًا لبركات، الذي اوضح أنه من المؤكد أن مستقبل الجنيه لن تحدده المضاربات اليومية أو الشائعات المنتشرة على مواقع التواصل، بل ستحدده قدرة الاقتصاد الحقيقي على الإنتاج والتصدير وجذب الاستثمار، لافتًا إلى أنه في عالم الاقتصاد، تبقى الحقيقة الثابتة أن العملات لا تقوى بالشعارات، بل بقوة الاقتصاد الذي يقف خلفها.