من لندن إلى القاهرة.. صفقة الـ15 مليون جنيه تثير الجدل داخل هيئة تنشيط السياحة
في وقت تتصاعد فيه التوجيهات الرئاسية الداعية إلى إحكام الرقابة على الإنفاق الحكومي، وعدم إهدار المال العام، تكشف مذكرة رسمية موقعة من الدكتور أحمد يوسف، الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة، عن تفاصيل ملف أثار جدلًا واسعًا داخل الأوساط السياحية والرقابية، بعد التعاقد على استئجار مستنسخات أثرية بعشرات الملايين لعرضها في الخارج، وسط تساؤلات حول آليات الصرف والتعاقد وتوقيتهما.

وبحسب ما ورد في المذكرة، فإن الهيئة وافقت على تأجير 54 قطعة من المستنسخات الأثرية من شركة “كنوز” للمشاركة في الجناح المصري بمعرض WTM 2025 الذي أقيم في العاصمة البريطانية لندن خلال الفترة من 4 إلى 6 نوفمبر 2025، في إطار فكرة إنشاء متحف مصغر يعكس الحضارة المصرية، بالتزامن مع افتتاح المتحف المصري الكبير.
من فكرة ترويجية إلى فاتورة بـ15 مليون جنيه
المذكرة أوضحت أنه تم اختيار مجموعة من النماذج الأثرية المتميزة بالتنسيق مع الشركة المتخصصة، على أن تُعرض المستنسخات داخل جناح مصر كـ”متحف مصغر”، بتكلفة تقديرية بلغت 15 مليون جنيه، تشمل الإيجار والتغليف والشحن ذهابًا وعودة والمصروفات الإدارية والجمركية وأي أعمال إضافية.

وأشارت إلى أن التمويل سيتم خصمه من خطة تنشيط الهيئة للعام المالي 2025 / 2026، مع التأكيد على ضرورة مراجعة المستندات والفواتير بعد انتهاء الفعاليات.
تساؤلات حول التعاقدات وتوقيت الموافقات
لكن ما أثار الجدل – وفقًا لمصادر داخل القطاع السياحي – أن التعاقد الأساسي مع شركة “كنوز” تم بتاريخ 29 أكتوبر 2025 بقيمة بلغت 7 ملايين و667 ألفًا و330 جنيهًا، قبل أن تُعاد المذكرة لاحقًا لتتضاعف القيمة تقريبًا إلى 15 مليون جنيه بعد انتهاء فعاليات المعرض.
وتشير المعلومات إلى أن المذكرة الجديدة لم تتضمن توثيقًا زمنيًا واضحًا، ولم يُثبت حصولها على تصديق من الجهات العليا المختصة، رغم وجود توجيهات رئاسية واضحة بعدم اللجوء إلى التعاقدات المباشرة إلا وفق ضوابط صارمة وموافقات مسبقة.

وفي هذا السياق، أُثيرت علامات استفهام حول مدى التزام الإجراءات باللوائح المالية المنظمة لعمل الهيئة، خاصة في ظل وجود سقف مالي للتصرفات دون الرجوع لمجلس الإدارة.
مخالفة إجرائية أم اجتهاد إداري؟
وبحسب ما تم تداوله، فإن لوائح الهيئة تنص على عدم اتخاذ قرارات إنفاق تتجاوز 5 ملايين جنيه دون الرجوع إلى مجلس الإدارة برئاسة وزير السياحة والآثار، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول قانونية اعتماد هذه القيمة، خصوصًا مع إمكانية شراء المستنسخات بدلًا من استئجارها، بما يحقق وفرًا ماليًا على المدى الطويل.

كما أشارت مصادر إلى أن القرار التنفيذي تضمن عبارة “أوافق مع اتباع اللوائح والقوانين”، دون توضيح آليات تطبيق هذه اللوائح على أرض الواقع أو مدى توافقها مع إجراءات المناقصات والممارسات المعتمدة.
ما بعد المعرض.. لجنة تسوية تثير الجدل
وفي تطور لاحق، أصدر الرئيس التنفيذي للهيئة قرارًا بتشكيل لجنة برئاسة أحد القيادات التنفيذية وعضوية 10 موظفين لتسوية الفواتير والمعاملات الخاصة بالشركة، إلا أن التشكيل – وفق منتقدين – خلا من أي تمثيل قانوني أو مالي أو محاسبي، ما أثار مزيدًا من التساؤلات حول آلية مراجعة الصرف والتدقيق المالي.
مطالب بالتحقيق ومراجعة شاملة
وفي ظل هذه التطورات، تصاعدت المطالب داخل القطاع السياحي بضرورة فتح تحقيق شامل في ملف التعاقدات مع الشركة المذكورة، ومراجعة كافة الإجراءات المالية والإدارية المرتبطة بالحدث، مع إحالة الملف للجهات الرقابية المختصة، لضمان الشفافية وحماية المال العام.
ويؤكد متابعون أن القضية لم تعد مجرد صفقة عابرة داخل معرض دولي، بل تحولت إلى ملف رقابي مفتوح يسلط الضوء على آليات اتخاذ القرار داخل بعض الهيئات، وحدود الالتزام الفعلي بتوجيهات الدولة في ترشيد الإنفاق وتعظيم الاستفادة من الموارد العامة.

