خالد حنفي يطلق مبادرة عربية لربط رأس المال والإنتاج والأسواق وصناعة القيمة المشتركة
أكد الدكتور خالد حنفي، الأمين العام لاتحاد الغرف العربية، أن التحولات المتسارعة في الاقتصاد العالمي تفرض على الدول العربية الانتقال من التعامل مع المنطقة باعتبارها مجموعة من الأسواق والوجهات الاستثمارية المنفصلة، إلى بناء منظومة عربية مترابطة للاستثمار والإنتاج، مشددًا على أن العالم العربي يمتلك رأس المال والطاقة والموانئ والقدرات الصناعية والموارد البشرية والموقع الجغرافي، لكن التحدي الحقيقي يتمثل في ربط هذه الإمكانات وتحويلها إلى قوة اقتصادية متكاملة.
جاء ذلك خلال الكلمة الرئيسية التي ألقاها حنفي أمام منتدى الأعمال العربي ضمن فعاليات AIM Congress 2026 في دبي، تحت عنوان «من الأسواق المجزأة إلى منظومة عربية متكاملة للاستثمار والإنتاج»، والذي انطلقت أعماله تحت شعار «إعادة تشكيل الازدهار العالمي: فتح مسارات استثمارية جديدة نحو مستقبل مستدام وشامل».
ويشارك في المؤتمر أكثر من 15,800 مشارك يمثلون 181 دولة، فيما يركز برنامجه على الأسواق العالمية واقتصادات المستقبل والجيل القادم، إلى جانب جلسات وزارية وحوارات رفيعة المستوى وطاولات مستديرة وورش عمل متخصصة، بما يجعله منصة دولية لبحث التحولات التي تعيد رسم خريطة الاستثمار والاقتصاد العالمي وبناء شراكات جديدة بين الحكومات ورأس المال والقطاع الخاص.
وأوضح حنفي أن الاقتصاد العالمي لم يعد يشهد مجرد تغيير تقليدي، وإنما عملية إعادة تصميم شاملة، تشمل إعادة توجيه الاستثمارات وتشكيل سلاسل الإمداد، بالتوازي مع إعادة التكنولوجيا تعريف القدرة التنافسية، وتأثير المتغيرات الجيوسياسية على خريطة الفرص الاقتصادية.
وأشار إلى أن السؤال لم يعد متعلقًا بكيفية جذب كل دولة عربية لمزيد من الاستثمارات الأجنبية، وإنما بكيفية تحويل العالم العربي إلى منظومة استثمارية متكاملة بدلًا من بقائه مجموعة من الوجهات الاستثمارية المنفصلة.
وأكد أن منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى مثلت خطوة مهمة في خفض التعريفات وتيسير حركة التجارة، إلا أن التحديات التي تواجه الشركات والمستثمرين تجاوزت الرسوم الجمركية لتشمل اختلاف المعايير والإجراءات، وتكاليف الخدمات اللوجستية، وقيود التمويل، والتجزؤ الرقمي والتباينات التنظيمية.
«ARAB LINK».. مبادرة لتحويل الفرص العربية إلى استثمارات وإنتاج
ودعا الأمين العام لاتحاد الغرف العربية إلى الانتقال من مفهوم منطقة التجارة الحرة إلى مفهوم أكثر طموحًا يتمثل في «سوق عربية للاستثمار»، بما يسمح لرأس المال والمشروعات وسلاسل القيمة بالتحرك بين الاقتصادات العربية بكفاءة أكبر.
وأوضح أن التكامل الإنتاجي يمكن أن يأخذ صورة عملية تبدأ بتصميم المنتج في دولة عربية، وتصنيع مكوناته في دولة ثانية، وتجميعه في دولة ثالثة، وتمويله من خلال مركز مالي عربي، ثم تصديره إلى أسواق إفريقيا أو أوروبا أو آسيا عبر مركز لوجستي عربي.
وأشار حنفي إلى أن المنطقة لا تعاني نقصًا في الإمكانات، فهي تمتلك رؤوس الأموال والطاقة والموانئ والممرات اللوجستية والموارد الزراعية والقدرات الصناعية والكفاءات البشرية والمؤسسات المالية، فضلًا عن موقعها الاستراتيجي بين آسيا وإفريقيا وأوروبا.
وأوضح أن المشكلة الأساسية تتمثل في تشتت هذه الإمكانات، إذ تعمل في كثير من الأحيان كنقاط قوة وطنية منفصلة بدلًا من كونها مكونات لمنظومة اقتصادية إقليمية واحدة.
ولفت إلى أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الدول العربية بلغت نحو 119 مليار دولار خلال عام 2025، إلا أن أكثر من 80% منها تركز في ثلاث دول عربية، وهو ما يؤكد الحاجة إلى تحويل مراكز النجاح والاستثمار الوطنية إلى شبكات وفرص إقليمية أوسع.
وأكد حنفي أن المرحلة المقبلة تتطلب تغيير فلسفة المنافسة الاستثمارية داخل المنطقة، بحيث لا يكون السؤال هو أي دولة عربية ستفوز بالاستثمار، وإنما كم اقتصادًا عربيًا يمكنه المشاركة في القيمة التي يصنعها هذا الاستثمار.
وشدد على ضرورة الانتقال من المشروعات المنفردة إلى سلاسل القيمة الإقليمية، ومن مجرد جذب رأس المال إلى تدويره وربطه بالفرص الإنتاجية داخل المنطقة، بحيث يؤدي نجاح أي دولة عربية في جذب استثمار كبير إلى خلق فرص للموردين والخدمات اللوجستية والتمويل والتكنولوجيا والتشغيل في اقتصادات عربية أخرى.
كما أكد أهمية الاستفادة من الصناديق السيادية والمؤسسات الاستثمارية والمصارف والشركات العائلية وأدوات التمويل الإسلامي، إلى جانب الصكوك والتمويل المستدام وتمويل البنية الأساسية والتجارة، وتوسيع نماذج الاستثمار المشترك بين المؤسسات والصناديق العربية.
وشدد الأمين العام لاتحاد الغرف العربية على أن القطاع الخاص يجب ألا يكون مجرد منفذ لخطط التكامل الاقتصادي، وإنما شريكًا في تصميمها منذ البداية، موضحًا أن الحكومات تضع الأطر التنظيمية وتطور البنية الأساسية، بينما تقوم الشركات بالاستثمار والإنتاج والتوظيف والابتكار والتجارة.
وخلال كلمته، أعلن حنفي عن مبادرة «ARAB LINK»، وهي اختصار لـ Arab Regional Architecture for Business, Logistics, Investment, Networks and Knowledge، وطرحها باعتبارها بنية عملية يقودها القطاع الخاص لربط الأعمال واللوجستيات والاستثمار والشبكات والمعرفة.

وأوضح أن المبادرة لا تستهدف إنشاء مؤسسة أو مؤتمر أو طبقة بيروقراطية جديدة، وإنما تسعى إلى ربط ما يمتلكه العالم العربي بالفعل من مؤسسات وإمكانات وفرص، لكنها لا تزال غير مترابطة بالشكل الكافي.
وتقوم المبادرة على أربعة مسارات رئيسية، هي «LINK CAPITAL» لربط الفرص الاستثمارية العربية بالصناديق السيادية والمؤسسات الاستثمارية والبنوك والشركات العائلية ورأس المال الخاص، و«LINK PRODUCTION» لبناء سلاسل قيمة إقليمية، و«LINK MARKETS» لمعالجة العوائق أمام الشركات في مجالات المعايير والإجراءات والخدمات اللوجستية والوثائق الرقمية والوصول إلى الأسواق، و«LINK DATA» لبناء منظومة ذكاء استثماري رقمي تربط المشروعات بالمستثمرين والموردين والفرص عبر الاقتصادات العربية.
وأكد حنفي أن الطموح لا ينبغي أن يقتصر على زيادة التجارة البينية العربية، وإنما يجب أن يمتد إلى تغيير نظرة المستثمر العالمي للمنطقة، بحيث لا ينظر إليها باعتبارها 22 سوقًا منفصلة تتنافس على رأس المال، وإنما مساحة اقتصادية مترابطة تجمع رأس المال والطاقة والمواهب والقدرات الإنتاجية والموانئ والخدمات اللوجستية وتتيح الوصول إلى ثلاث قارات.
وأوضح أن التكامل العربي لا يعني توحيد الاقتصادات أو جعلها متشابهة، وإنما الاستفادة من اختلافاتها باعتبارها مصدر قوة، بحيث تقدم دولة رأس المال، وأخرى القدرة الصناعية، وثالثة المواهب، ورابعة الإنتاج الغذائي، فيما توفر دول أخرى الطاقة المتجددة أو التكنولوجيا أو الخدمات اللوجستية أو النفاذ إلى الأسواق.
واختتم حنفي كلمته بالتأكيد على أن العالم العربي لا يفتقر إلى الأصول أو رأس المال أو الأسواق والطموح، وإنما يحتاج إلى منظومة تربط هذه العناصر وتحولها إلى استثمارات وإنتاج وقيمة مشتركة.
ودعا القطاعين العام والخاص والمؤسسات الاستثمارية العربية إلى تحويل التكامل من مفهوم سياسي واقتصادي إلى منظومة أعمال قابلة للتنفيذ والقياس، مؤكدًا أن مبادرة «ARAB LINK» تستهدف الانتقال من الأسواق المجزأة إلى الاستثمارات المترابطة، ومنها إلى الإنتاج المتكامل، وصولًا إلى ازدهار عربي مشترك.

