مصر تعيد ترتيب الأولويات.. خفض استهلاك الوقود والكهرباء وتأجيل مشروعات جديدة
في تحرك استثنائي من الحكومة المصرية لمواجهة التداعيات الاقتصادية للأحداث المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، اتجهت الحكومة المصرية إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، عبر حزمة من الإجراءات تستهدف تقليص المصروفات غير الضرورية، وخفض استهلاك الطاقة، وتأجيل بعض المشروعات الاستثمارية، مع الحفاظ على القطاعات الحيوية والخدمات الأساسية للمواطنين.
ووافق مجلس الوزراء، خلال اجتماعه الخميس، على مشروع قرار ترشيد الإنفاق العام بالجهات الداخلة في الموازنة العامة للدولة والهيئات العامة الاقتصادية خلال العام المالي 2026-2027، لمدة 3 أشهر من تاريخ العمل به، مع إمكانية تمديد الفترة حال استمرار الظروف الاستثنائية.
وتعكس الإجراءات الجديدة توجهًا حكوميًا نحو التعامل مع الضغوط الاقتصادية من خلال ضبط المصروفات، وتقليل الاعتماد على الموارد المستوردة، والحد من الاحتياجات التمويلية التي تتحملها الخزانة العامة، دون التأثير على مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
خفض استهلاك الكهرباء والوقود.. أرقام محددة للجهات الحكومية
وضعت الحكومة مستهدفات واضحة لخفض استهلاك الطاقة داخل المؤسسات الحكومية، حيث ألزم القرار الجهات المخاطبة بأحكامه بخفض استهلاك الكهرباء والإنارة بنسبة 20% مقارنة بمتوسط الاستهلاك الفعلي خلال الفترة نفسها من العام المالي 2025-2026.
كما يستهدف القرار خفض استهلاك الوقود المخصص للمركبات الحكومية بنسبة لا تقل عن 30%، في خطوة تستهدف تقليل فاتورة الطاقة والحد من الضغوط على الموارد البترولية.
وامتدت إجراءات الترشيد إلى المشروعات القومية كثيفة الاستهلاك للسولار والمازوت والبنزين، إذ تقرر إرجاء أو إبطاء تنفيذها بصورة استثنائية لمدة 3 أشهر على الأقل، مع وضع خطط تنفيذية لخفض استهلاكها من الكهرباء بنسبة 20% والوقود بنسبة 30%.
تجميد مشروعات جديدة ومنع شراء السيارات حتى يونيو 2027
ومن أبرز ملامح القرار فرض قيود على الإنفاق الاستثماري، حيث نص على عدم البدء في مشروعات جديدة خلال العام المالي الحالي، وتأجيل تنفيذ المشروعات حديثة الإدراج، مع حظر إبرام تعاقدات لتنفيذها حتى 30 يونيو 2027، ما لم تكن التعاقدات قد أبرمت قبل صدور القرار.
وفي المقابل، منحت الحكومة الأولوية لاستكمال المشروعات التي اقتربت من الانتهاء والمتوقع تنفيذها خلال العام المالي 2026-2027، إلى جانب المشروعات المرتبطة بالاحتياجات الاستثمارية الضرورية والملحة.
كما شملت الإجراءات عدم التعاقد على شراء سيارات الركوب حتى 30 يونيو 2027، وحظر التعاقد على أعمال قد تستلزم تدبير عملات أجنبية أو تؤدي إلى الحاجة للاقتراض الخارجي.
واستثنى القرار عددًا من المشروعات والقطاعات المهمة، أبرزها المبادرة الرئاسية «حياة كريمة»، والصحة والتعليم قبل الجامعي والداخلية، ومشروعات مياه الشرب والصرف الصحي، إلى جانب المشروعات المرتبطة بالأمن القومي والمائي والغذائي والسيبراني وأمن الطاقة.
حظر الدعاية والحفلات والمؤتمرات وتجميد جزء من المصروفات
وفي إطار تقليص النفقات التشغيلية، حظر القرار الصرف على تكاليف الدعاية والإعلان والحفلات والاستقبالات والعلاقات العامة، إلى جانب نفقات المعارض والمؤتمرات في الداخل والخارج، والاشتراكات في المؤتمرات دون موافقة مسبقة.
كما شملت القيود مصروفات السفر الخارجي وبدلات الانتقال والإقامة، مع السماح بالسفر للضرورة القصوى بعد موافقة رئيس مجلس الوزراء، أو في حال تحمل الجهة الداعية جميع التكاليف والحصول على موافقة السلطة المختصة.
وتضمنت الإجراءات كذلك تجميد ما لا يقل عن 20% من باقي الاعتمادات المالية المخصصة لشراء السلع والخدمات، مع ترشيد أوجه الإنفاق الأخرى المتعلقة بالدعم والمنح والمزايا الاجتماعية.
الصحة والدعم والتموين خارج قيود الترشيد
ورغم اتساع نطاق الإجراءات، حرص القرار على استثناء قطاعات وأوجه إنفاق ذات طبيعة اجتماعية وخدمية، حيث لا تسري أحكامه على وزارة الصحة والجهات التابعة لها والمستشفيات الجامعية ومقدمي خدمات الرعاية الطبية، فضلًا عن أغراض الأمن القومي.
كما استثنى فوائد وأقساط القروض، ومخصصات علاج العاملين والطلبة، والإعانات والمعاشات الضمانية وبرنامج تكافل وكرامة، إلى جانب مخصصات دعم السلع التموينية.
وشملت الاستثناءات أيضًا المخصصات المالية لتوريد المواد البترولية والغاز ومشتقاتهما، مع الالتزام بترشيد الاستهلاك الشهري، فضلًا عن المقابل النقدي للعاملين بالمناطق النائية.
موارد ذاتية بديلة لتخفيف أعباء الاقتراض
ولم تقتصر خطة الحكومة على خفض المصروفات، بل تضمنت توجيه الجهات الحكومية والهيئات الاقتصادية إلى تنمية مواردها الذاتية لتغطية جانب من احتياجاتها، وتقليل الضغط على الاعتمادات التي تمولها الخزانة العامة من خلال الاقتراض.
كما ألزم القرار الجهات المعنية بموافاة وزارة المالية ببيانات تفصيلية حول البنود والمبالغ التي سيتم تجميدها، خلال شهر من تاريخ صدوره.
وتكشف هذه الإجراءات عن توجه حكومي لإدارة الإنفاق العام بصورة أكثر تحفظًا خلال المرحلة المقبلة، من خلال تأجيل الإنفاق القابل للتأجيل، وحماية القطاعات الأساسية، وإعطاء الأولوية للمشروعات الضرورية، في محاولة لاحتواء تداعيات الأزمة الإقليمية وتقليل الضغوط على الموازنة العامة للدولة.