تراجع إقبال المصريين على الذهب.. هل انتهى زمن "الملاذ الآمن"؟

الذهب
الذهب

لم يعد الذهب في مصر الخيار الأول لدى شريحة واسعة من المواطنين كما كان في السنوات الماضية، رغم استمرار مكانته كملاذ آمن تقليدي، فقد كشفت أحدث بيانات الأسواق خلال الربع الأول من عام 2026 عن تراجع ملحوظ في حجم مشتريات المصريين من المعدن الأصفر، في تحول يعكس تغيّرًا في سلوك المستهلكين تحت ضغط عوامل اقتصادية محلية وعالمية متشابكة.

وبينما يواصل الذهب تسجيل مستويات سعرية مرتفعة تاريخيًا، يبدو أن القدرة الشرائية والتوجهات الاستثمارية الجديدة باتت تلعب دورًا حاسمًا في إعادة تشكيل الطلب داخل السوق المصري.

وفي هذا التقرير، من سمارت فاينانس، نستعرض تفاصيل لماذا انخفضت مشتريات المصريين من الذهب؟.

تراجع واضح في الطلب المحلي على الذهب

وتشير بيانات حديثة صادرة عن مجلس الذهب العالمي إلى أن الطلب على المشغولات الذهبية في مصر بلغ نحو 5.2 طن خلال الربع الأول من 2026، منخفضًا بنسبة 19% على أساس سنوي، وهو ما يعكس تراجعًا ملموسًا في الإقبال الاستهلاكي.

كما سجل الطلب على السبائك والعملات الذهبية نحو 5.7 طن، منخفضًا بنسبة 23% مقارنة بالربع السابق، في إشارة إلى تراجع حتى في الطلب الاستثماري قصير الأجل.

وهذا الانخفاض لم يكن مفاجئًا، بل جاء نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة التي أثرت بشكل مباشر على قرارات الشراء لدى الأفراد.

الارتفاع القياسي في الأسعار العامل الحاسم

ويعد الارتفاع الكبير في أسعار الذهب محليًا وعالميًا أبرز أسباب تراجع الطلب. فقد سجلت الأسعار مستويات قياسية منذ بداية العام، ما دفع الكثير من المستهلكين إلى تقليص مشترياتهم أو تأجيلها.

وهذا الارتفاع جعل الذهب خارج متناول فئات واسعة، خاصة مع زيادة تكاليف المعيشة، وهو ما أدى إلى انخفاض القوة الشرائية بشكل واضح، ومع وصول سعر جرام الذهب عيار 21 إلى مستويات تقارب 6900 جنيه، أصبح شراء الشبكة أو الادخار عبر الذهب أكثر صعوبة مقارنة بالفترات السابقة.

ضعف القوة الشرائية وضغوط السيولة

ولم يأتِ ارتفاع الأسعار وحده، بل تزامن مع ضغوط اقتصادية على المواطنين، أبرزها تراجع القوة الشرائية ونقص السيولة لدى الأفراد.

وتشير التحليلات إلى أن المستهلكين أصبحوا أكثر حذرًا في إنفاقهم، خاصة على السلع غير الأساسية مثل الذهب، وهو ما انعكس مباشرة على حجم الطلب في السوق.

كما أن التحديات الاقتصادية دفعت الكثيرين إلى الاحتفاظ بالسيولة النقدية بدلًا من تحويلها إلى أصول طويلة الأجل مثل الذهب.

الذهب
الذهب

تحول الاهتمام نحو الدولار وأدوات أخرى

ومن العوامل المهمة أيضًا، اتجاه بعض المستثمرين والأفراد إلى الدولار كملاذ بديل، خاصة في ظل التقلبات الاقتصادية وارتفاع سعر صرفه مقابل الجنيه.

فقد أدى ارتفاع الدولار إلى جذب السيولة بعيدًا عن الذهب، باعتباره أداة أكثر مرونة في التعاملات اليومية والتحوط السريع .

وهذا التحول يعكس تغيرًا في سلوك الادخار، حيث لم يعد الذهب الخيار الوحيد للتحوط من التضخم أو تراجع العملة.

عوامل عالمية تضغط على السوق المحلية

ولم تكن الأسباب محلية فقط، بل لعبت التطورات العالمية دورًا كبيرًا في تقليل الطلب، فحالة عدم اليقين الجيوسياسي، خاصة التوترات في الشرق الأوسط، إلى جانب توقعات استمرار أسعار الفائدة المرتفعة عالميًا، دفعت المستثمرين نحو الدولار بدلاً من الذهب.

كما أن ارتفاع أسعار النفط ومخاوف التضخم العالمية ساهمت في إعادة توجيه الاستثمارات، ما انعكس بشكل غير مباشر على السوق المصرية.

تغير نمط الطلب من الاستهلاك إلى الاستثمار المحدود

ورغم تراجع الطلب الإجمالي، تشير البيانات إلى وجود تحول نسبي من شراء المشغولات الذهبية إلى الاستثمار في السبائك والعملات، لكن هذا التحول لا يزال محدودًا بسبب ضعف السيولة لدى الأفراد.

ويعني ذلك أن السوق لم يشهد انهيارًا كاملاً، بل إعادة توزيع في أنماط الطلب، مع استمرار وجود شريحة ترى في الذهب ملاذًا آمنًا على المدى الطويل.

سوق يعيد تشكيل نفسه

وفي المجمل، يعكس تراجع مشتريات المصريين من الذهب خلال 2026 مزيجًا من الضغوط الاقتصادية المحلية والتقلبات العالمية، إلى جانب تغير في سلوك المستهلكين.

والأسعار المرتفعة، وضعف القدرة الشرائية، وصعود الدولار، وتغير أولويات الادخار، كلها عوامل ساهمت في تقليص الطلب على المعدن النفيس.

ومع استمرار هذه العوامل، من المتوقع أن يظل الطلب على الذهب في مصر مرهونًا بقدرة السوق على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية، سواء من خلال استقرار الأسعار أو تحسن القوة الشرائية، وهو ما سيحدد اتجاه السوق خلال الفترة المقبلة.

تم نسخ الرابط