جون لوكا: التوترات الجيوسياسية تعيد رسم خريطة السلع الأساسية والأسواق العالمية خلال السنوات المقبلة
أكد الخبير الاقتصادي جون لوكا أن الأسواق العالمية للسلع الأساسية تشهد تحولًا هيكليًا عميقًا بفعل تصاعد التوترات الجيوسياسية، موضحًا أن تداعيات هذه التطورات لم تعد مجرد اضطرابات مؤقتة، وإنما أصبحت تفرض قواعد جديدة لإدارة المخاطر وتنويع الاحتياطيات وتأمين سلاسل الإمداد.
وأوضح لوكا أن الاقتصاد العالمي يتحرك تدريجيًا من نموذج العولمة المفتوحة نحو بيئة أكثر تجزئة، مع اتجاه الدول إلى إعطاء أولوية متزايدة لأمن الإمدادات والاعتماد على مصادر موثوقة، بالتوازي مع تعزيز مرونة سلاسل التوريد وتقليل الاعتماد على مصدر واحد للسلع الأساسية.
وأشار إلى أن التوترات السياسية والجيوسياسية أسهمت في إعادة توجيه مسارات التجارة العالمية وتغيير الممرات التجارية التقليدية، وهو ما يفتح المجال أمام موردين جدد وأسواق مختلفة، لكنه في الوقت نفسه يزيد من تقلبات الأسعار ويدفع الشركات إلى إعادة التفكير في سياسات المخزون ورأس المال العامل.
الذهب يتصدر قائمة المستفيدين من التحولات الجيوسياسية
وأضاف الخبير الاقتصادي أن السلع الأساسية، سواء التقليدية مثل النفط والمعادن، أو المرتبطة بالتحول إلى الطاقة المتجددة، مثل المعادن المستخدمة في البطاريات والألواح الشمسية، أصبحت جزءًا من معادلات الأمن القومي والاقتصادي للدول، بعدما كانت تُعامل بصورة أساسية باعتبارها سلعًا تجارية.
وفيما يتعلق بالذهب، أكد لوكا أن المعدن الأصفر يبرز كأحد أهم المستفيدين من هذا المشهد، في ظل اتجاه البنوك المركزية والمستثمرين بصورة متزايدة إلى استخدامه كأداة لتنويع الاحتياطيات والتحوط من المخاطر المرتبطة بالأزمات السياسية والاقتصادية.
وأوضح أن الطلب الرسمي على الذهب يعكس توجهًا طويل الأجل نحو بناء مستويات إضافية من الأمان المالي، مشيرًا إلى أن الذهب لم يعد مجرد ملاذ آمن تلجأ إليه الأسواق في أوقات الأزمات، وإنما أصبح عنصرًا هيكليًا ضمن استراتيجيات إدارة الاحتياطيات لدى عدد من الدول.
وأشار لوكا إلى أن الطاقة والمعادن الحرجة تواجه بدورها تحديات متزايدة، خاصة مع استمرار التوترات في مناطق الإنتاج الرئيسية، لافتًا إلى أن المعادن النادرة والنحاس وغيرها من المعادن المرتبطة بالتحول في قطاع الطاقة أصبحت أكثر حساسية للتطورات الجيوسياسية.
وأكد أن الدول الكبرى تتجه إلى بناء مخزونات استراتيجية وتنويع مصادر التوريد، بهدف تقليل نقاط الاختناق وتأمين احتياجاتها الأساسية، خاصة في ظل تزايد الطلب العالمي على المواد الخام اللازمة للصناعات الحديثة والطاقة النظيفة.
وأضاف أن التقلبات السعرية الناتجة عن الرسوم الجمركية وتغير السياسات التجارية تدفع الشركات والمؤسسات إلى البحث عن أدوات أكثر مرونة لإدارة المخاطر، من بينها الاحتفاظ بمخزونات خارج الميزانية، وتنويع قنوات التوريد، والاعتماد على تدفقات طرف ثالث لضمان استمرارية العمليات.
واختتم لوكا بالتأكيد على أن السنوات المقبلة ستشهد استمرار إعادة تشكيل أسواق السلع الأساسية عالميًا، موضحًا أن فهم المشهد الجيوسياسي أصبح عاملًا رئيسيًا في تحديد اتجاهات الاستثمار والطلب والأسعار.
وحذر من أن استمرار حالة التجزئة الجيوسياسية قد يبقي مستويات التقلب مرتفعة لفترة طويلة، لكنه في الوقت نفسه قد يخلق فرصًا جديدة في أسواق الذهب والمعادن والطاقة أمام المستثمرين القادرين على قراءة التحولات العالمية بصورة شاملة.

