بنك QNB: استهلاك الأسر في الصين لا يتجاوز 40% من الناتج المحلي الإجمالي.. وتراجع الثروة العقارية وضعف الحماية الاجتماعية يعززان الادخار

بنك QNB
بنك QNB

أكد بنك قطر الوطني (QNB) أن تحول الصين إلى نموذج اقتصادي أكثر اعتمادًا على الاستهلاك المحلي لا يزال أبطأ من المستهدف في الخطة الخمسية الخامسة عشرة (2026-2030)، في ظل قيود هيكلية تحد من إنفاق الأسر، أبرزها ضعف الطلب على السلع، وتراجع الثروة العقارية، وانعدام الأمن الوظيفي، ومحدودية الدعم الحكومي الموجه لتحفيز الاستهلاك.

وأوضح البنك، في تقريره الأسبوعي الصادر اليوم السبت، أن الاقتصاد الصيني اعتمد على الاستثمار والصادرات لأكثر من عقدين، مع إعطاء الأولوية للسياسة الصناعية على حساب الطلب الاستهلاكي للأسر، وهو ما أسهم في تحقيق نتائج قوية على جانب الإنتاج، مقابل تقدم محدود في تعزيز الاستهلاك المحلي.

 

وأشار التقرير إلى أن الصين تنتج حاليًا أكثر من 70% من السيارات الكهربائية في العالم، وتستحوذ على أكثر من 80% من القدرة التصنيعية العالمية للألواح الشمسية، كما تركب أكثر من نصف الروبوتات الصناعية عالميًا. وفي المقابل، لا يمثل استهلاك الأسر سوى نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة تقل عن المستويات المسجلة في الاقتصادات المتقدمة والاقتصادات الناشئة الكبرى.

 

وأضاف أن حصة استهلاك الأسر تراجعت من 47% من الناتج المحلي الإجمالي في أوائل العقد الأول من الألفية إلى نحو 35% عام 2010، قبل أن تتعافى تدريجيًا، دون أن تصل إلى المستويات المستهدفة.

 

الخطة الخمسية تستهدف تعزيز الاستهلاك

 

وبحسب التقرير، تستهدف الخطة الخمسية الخامسة عشرة، التي أُقرت في مارس 2026، زيادة حصة استهلاك الأسر من الناتج المحلي الإجمالي، فيما وافق مجلس الدولة الصيني في يوليو على أول خطة خمسية مخصصة للاستهلاك، تستهدف رفع مبيعات التجزئة إلى 60 تريليون يوان بحلول عام 2030، بمعدل نمو سنوي يبلغ نحو 3.7%، مع إعطاء الأولوية لقطاع الخدمات.

 

لكن أحدث البيانات لا تزال تعكس صعوبة تحقيق هذا التحول، إذ تراجعت مساهمة الاستهلاك النهائي في نمو الناتج المحلي الإجمالي من 52% عام 2025 إلى 46.7% في الربع الأول من عام 2026.

 

ويرى QNB أن التحول نحو نموذج نمو أكثر اعتمادًا على الاستهلاك سيظل أبطأ من المخطط له، لأن القيود التي تحد من إنفاق الأسر ترتبط بعوامل هيكلية تتجاوز التقلبات الاقتصادية الدورية.

 

4 عوامل تعرقل إنفاق الأسر الصينية

 

أولًا: انخفاض حصة الأسر من الدخل وضعف الطلب

 

أوضح التقرير أن الدخل المتاح للأسر الصينية لا يتجاوز نحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل مستويات تتراوح عادة بين 70% و80% في الاقتصادات المتقدمة الكبرى، نتيجة نموذج النمو القائم على الاستثمار، الذي يوجه حصة أكبر من الدخل إلى الشركات والحكومة بدلًا من الأسر.

 

كما أشار إلى استمرار التفاوت في توزيع الدخل، إذ يقل الدخل المتاح للأسر الريفية عن نصف مستواه لدى الأسر الحضرية، بينما تميل الأسر الأعلى دخلًا إلى ادخار نسبة أكبر من دخولها، ما يحد من الأثر الاستهلاكي لأي زيادة في الدخل.

 

واعتبر البنك أن ضعف الاستهلاك لا يرتبط فقط بإحجام الأسر عن الإنفاق، بل أيضًا بانخفاض حصتها من الدخل القومي وعدم تكافؤ توزيعه.

 

ثانيًا: تراجع الثروة العقارية وضعف الثقة

 

أرجع التقرير أحد أبرز معوقات الاستهلاك إلى استمرار الركود العقاري، الذي أدى إلى تآكل ثروات الأسر وتراجع ثقتها في الأوضاع الاقتصادية.

 

وأوضح أن أسعار المساكن الجديدة سجلت انخفاضًا سنويًا لمدة 38 شهرًا متتاليًا، فيما تراجعت حصة العقارات من أصول الأسر من 67% في منتصف عام 2021 إلى 52% في مطلع عام 2026.

 

وانعكس ذلك على دخول الأسر، إذ لم يرتفع صافي الدخل العقاري سوى 1.6% في الربع الأول من عام 2026، مقابل نمو الأجور بنسبة 4.9%.

 

كما تراجعت ثقة المستهلك من 127 نقطة في مطلع عام 2021 إلى مستوى قياسي منخفض بلغ 85.5 نقطة في أواخر عام 2022، قبل أن ترتفع إلى 89.5 نقطة في أغسطس الماضي، وهو مستوى لا يزال دون عتبة 100 نقطة التي تفصل بين التفاؤل والتشاؤم.

 

ثالثًا: انعدام الأمن الوظيفي والادخار التحوطي

 

لفت QNB إلى أن مخاوف الأسر بشأن فرص العمل، إلى جانب محدودية الحماية الاجتماعية، تدفعها إلى الاحتفاظ بمدخرات أكبر لمواجهة المخاطر المستقبلية بدلًا من زيادة الإنفاق.

 

وأشار التقرير إلى ارتفاع معدل البطالة بين الشباب إلى 18.9% في أغسطس، فيما تدخر الأسر الصينية عادة نحو ثلث دخلها.

 

وأضاف أن هذا التوجه انعكس على الاقتراض، إذ تباطأ نمو الائتمان الممنوح للأسر إلى 1.1% في أواخر عام 2025، وهو أدنى مستوى وفقًا للتقرير، مع اتجاه العائلات إلى سداد ديونها، بما في ذلك القروض العقارية، بدلًا من الاقتراض لتمويل الاستهلاك.

 

وفي المقابل، بلغت ودائع الأسر نحو 167 تريليون يوان بنهاية عام 2025، مقابل قروض بقيمة 83 تريليون يوان، بما يشير إلى امتلاكها مدخرات كبيرة، لكن دون استعداد مماثل لتحويلها إلى إنفاق استهلاكي.

 

رابعًا: محدودية الدعم الحكومي الموجه للاستهلاك

اعتبر التقرير أن برامج دعم المستهلكين لا تزال محدودة ومؤقتة إلى حد كبير، مشيرًا إلى خفض تمويل برنامج استبدال السلع القديمة بالجديدة إلى 250 مليار يوان في عام 2026، مقابل 300 مليار يوان في عام 2025.

 

ولفت إلى أن البرنامج لم يضف، في ذروة تأثيره، سوى 0.6 نقطة مئوية إلى نمو مبيعات التجزئة، بما يحد من قدرته على إحداث تحول مستدام في سلوك الإنفاق.

 

وفي المقابل، توقع البنك تجاوز الاستثمارات في البنية التحتية والخدمات العامة وغيرها من المجالات الرئيسية 7 تريليونات يوان خلال عام 2026، بعدما اختارت السلطات تسريع الإنفاق المعتمد مسبقًا على البنية التحتية بدلًا من إطلاق حزمة تحفيز كبيرة جديدة.

 

وأشار إلى أن الإصلاحات الرامية إلى الحد من دوافع الادخار الاحتراطي، بما يشمل أنظمة التقاعد والرعاية الصحية، لم تحصل حتى الآن على تمويل مماثل.

 

إصلاحات هيكلية ضرورية لتحقيق المستهدفات

وخلص بنك قطر الوطني إلى أن تسريع تحول الاقتصاد الصيني نحو الاستهلاك يتطلب إصلاحات هيكلية تعزز حصة الأسر من الدخل، وتحد من التفاوت في توزيعه، وتطور منظومتي الحماية الاجتماعية والرعاية الصحية، بدلًا من الاعتماد على إعانات مؤقتة لتحفيز الإنفاق.

 

وأكد التقرير أن تحقيق مستهدفات الخطة الخمسية الخامسة عشرة يرتبط بقدرة السلطات الصينية على معالجة الأسباب الأساسية لضعف الاستهلاك، بما يسمح بتحويل المدخرات المتراكمة لدى الأسر إلى طلب محلي أكثر استدامة، ويعيد التوازن بين الإنتاج والاستهلاك في ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

تم نسخ الرابط