البنك المركزي يضرب بقوة.. كيف سيؤثر خفض الفائدة على معدلات التضخم؟| الخبراء يجيبون

التضخم في مصر
التضخم في مصر

في خطوة اقتصادية طال انتظارها، قررت لجنة السياسات النقدية بالبنك المركزي المصري في اجتماعها المنعقد الخميس 28 أغسطس 2025 خفض أسعار الفائدة الأساسية بنسبة 2% (200 نقطة أساس)، لتصبح أسعار عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة 22% و23% على التوالي، وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي 22.5%، مع خفض سعر الائتمان والخصم بنفس النسبة ليصل إلى 22.5%.

يأتي هذا القرار في سياق تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي في مصر، بما في ذلك تراجع معدلات التضخم واستقرار سعر الصرف، مما يعكس ثقة متزايدة في قدرة الاقتصاد المصري على تحقيق استقرار مستدام وتحفيز النمو الاقتصادي.

وفي هذا التقرير، من سمارت فاينانس، نحلل تأثير هذا القرار على معدلات التضخم في مصر مستقبلاً، وفقًا لآراء الخبراء الاقتصاديين.

لماذا قرر البنك المركزي خفض الفائدة؟

يأتي قرار خفض أسعار الفائدة كجزء من دورة التيسير النقدي التي بدأها البنك المركزي المصري منذ أبريل 2025، حيث تم خفض الفائدة بإجمالي 3.25% على مرحلتين (2.25% في أبريل و1% في مايو) قبل تثبيتها في يوليو.

ويعكس هذا القرار استجابة لتطورات إيجابية في المشهد الاقتصادي المحلي، حيث انخفض معدل التضخم العام إلى 15.2% في الربع الثاني من عام 2025 مقارنة بـ16.5% في الربع الأول، مدعومًا بتحسن المؤشرات الشهرية للتضخم واستقرار سعر الصرف.

وعلى الصعيد العالمي، شهدت الأسواق بوادر تعافٍ في النمو الاقتصادي واستقرارًا في توقعات التضخم، مما شجع البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة والناشئة على تيسير سياساتها النقدية بشكل تدريجي.

ويعد هذا القرار خطوة مدروسة تهدف إلى ترسيخ توقعات التضخم المنخفضة، مع الحفاظ على سياسة نقدية متوازنة تدعم النمو الاقتصادي دون التسبب في اضطرابات في استقرار العملة أو خروج الأموال الساخنة.

كما يأتي القرار في ظل تحسن ملحوظ في النمو الاقتصادي، حيث سجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نموًا بنسبة 5.4% في الربع الثاني من 2025، مدفوعًا بقطاعات الصناعات التحويلية غير البترولية والسياحة.

ماذا يرى الخبراء الاقتصاديين؟

وعلق الدكتور مصطفى بدرة، الخبير الاقتصادي، لمنصة “سمارت فاينانس”، على قرار لجنة السياسات النقدية بالبنك المركزي المصري بخفض أسعار الفائدة بنسبة 2%، مؤكدًا أن هذا القرار يتماشى مع التوقعات الاقتصادية ويعد خطوة استراتيجية إيجابية تدعم مسار الاستقرار الاقتصادي في مصر.

وأوضح أن القرار يعكس توقعات الدولة بتراجع معدلات التضخم خلال الفترة المقبلة إلى نطاق يتراوح بين 14% و15% في المتوسط، مما يعزز الثقة في السياسات النقدية المتبعة.

وأشار بدرة إلى أن لجنة السياسات النقدية قد أخذت في الاعتبار المخاطر العالمية المحتملة التي قد تؤثر على التضخم، مثل التقلبات في أسعار النفط العالمية أو التغيرات في الرسوم الجمركية الأمريكية، مما يبرز نهجًا حذرًا ومدروسًا في اتخاذ القرار.

الدكتور مصطفى بدرة
الدكتور مصطفى بدرة

وأكد أن هذا الخفض يعكس حرص البنك المركزي على تحقيق توازن دقيق يدعم جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، مع الحفاظ على مستويات فائدة تنافسية وجاذبة تمنع خروج التدفقات المالية الساخنة من السوق المصرية.

وأضاف أن هذا النهج يعزز استقرار سعر الصرف ويعكس قدرة الاقتصاد المصري على التعامل بكفاءة مع التحديات الاقتصادية الراهنة.

تأثير إيجابي على الموازنة العامة

وأبرز بدرة أن خفض أسعار الفائدة يحمل أثرًا إيجابيًا كبيرًا على الموازنة العامة للدولة، حيث يسهم في تخفيف أعباء خدمة الدين العام.

وأوضح أن خفض الفائدة بنسبة 1% يوفر ما يتراوح بين 70 و80 مليار جنيه، مما يعزز المرونة المالية للدولة ويوفر مساحة أكبر للاستثمار في المشروعات التنموية وتحسين مستوى المعيشة.

واختتم بدرة مؤكدًا أن هذا القرار يعكس رؤية اقتصادية متكاملة تهدف إلى تحقيق التوازن بين تحفيز النمو الاقتصادي والحفاظ على استقرار السوق المالية في مصر.

قرار استراتيجي حاسم

من جهته، علق الدكتور محمد البهواشي، الخبير الاقتصادي، لمنصة “سمارت فاينانس”، على قرار لجنة السياسات النقدية بالبنك المركزي المصري بخفض أسعار الفائدة بنسبة 2%، واصفًا إياه بأنه قرار استراتيجي حاسم يعكس رؤية اقتصادية ثاقبة تهدف إلى تعزيز الديناميكية الاستثمارية وتسريع وتيرة النمو الاقتصادي المستدام.

وأوضح أن هذا القرار يأتي كنتيجة طبيعية لجهود مكثفة ومنهجية أسهمت في تحقيق تحسن جوهري في مؤشرات الاقتصاد الكلي، حيث يشهد الاقتصاد المصري حاليًا استقرارًا ملحوظًا في سعر صرف الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية، وتراجعًا واضحًا في الطلب غير المبرر على العملات الصعبة، إلى جانب تأمين مخزون استراتيجي مطمئن من السلع الأساسية.

وأكد أن هذه العوامل تشكل ركيزة أساسية في تثبيت المسار الهبوطي لمعدلات التضخم، مما يعزز الثقة في السياسات النقدية المتبعة.

الدكتور محمد البهواشي
الدكتور محمد البهواشي

تحجيم التضخم إلى مستويات أحادية

وأشار البهواشي إلى أن الدولة تضع نصب أعينها هدفًا طموحًا يتمثل في تحجيم التضخم إلى مستويات أحادية، وهو ما يتطلب استراتيجيات متكاملة لتعزيز الاستقرار الاقتصادي.

وأوضح أن خفض أسعار الفائدة يعد محفزًا قويًا لتنشيط الاستثمار وتسريع عجلة الإنتاج الوطني، مما ينعكس بشكل مباشر على استقرار أسعار السلع الأساسية ويسهم في تخفيف الضغوط التضخمية.

وأضاف أن هذا القرار سيؤدي إلى تعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد المصري من خلال خلق بيئة مواتية للاستثمارات المحلية والأجنبية، مما يدعم تحقيق استقرار اقتصادي شامل ويمهد الطريق لتحسين مستوى المعيشة.
وتوقع البهواشي أن يواصل الاقتصاد المصري مسار تحسنه المستمر في المؤشرات الاقتصادية، مما يعزز احتمالية اتخاذ قرارات إضافية لخفض أسعار الفائدة في المستقبل القريب، مؤكدًا أن هذه السياسات المدروسة ستعزز من جاذبية مصر كوجهة استثمارية رائدة.

واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن هذا القرار يعكس التزام الدولة بتبني سياسات اقتصادية مرنة ومتوازنة، تهدف إلى تحقيق التوازن بين تحفيز النمو الاقتصادي والحفاظ على استقرار الأسواق المالية، مما يرسخ مكانة مصر كاقتصاد صاعد قادر على مواجهة التحديات العالمية والمحلية بكفاءة عالية.

تأثير خفض الفائدة على التضخم مستقبلاً

وتشير توقعات البنك المركزي المصري إلى استمرار تراجع معدل التضخم العام خلال عام 2025 ليتراوح بين 14% و15%، مع توقعات بمزيد من الانخفاض ليصل إلى 7% (±2%) بحلول الربع الرابع من 2026. 
ويعزى هذا الاتجاه إلى عدة عوامل، منها تحسن المؤشرات الشهرية للتضخم، واستقرار سعر الصرف، وفعالية السياسات النقدية الحالية، في حين أن خفض الفائدة بنسبة 2% يدعم هذا المسار من خلال تقليل تكلفة الاقتراض، مما يشجع الاستثمار في القطاعات المنتجة ويقلل الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع تكاليف الإنتاج.

ومع ذلك، حذرت لجنة السياسات النقدية من مخاطر صعودية محتملة مثل تقلبات أسعار النفط العالمية، التوترات الجيوسياسية، أو التغيرات في السياسات التجارية العالمية.

ويسهم خفض الفائدة في تحفيز النمو الاقتصادي من خلال خفض تكلفة التمويل للشركات والأفراد، مما يعزز الاستثمار في القطاعات الحيوية مثل الصناعة والسياحة، وهذا التحفيز يمكن أن يؤدي إلى زيادة الإنتاج المحلي وتوافر السلع الأساسية، مما يحد من الضغوط التضخمية الناتجة عن نقص العرض.

ومع ذلك، يجب أن يتم هذا التحفيز بحذر لتجنب زيادة الطلب بشكل مفرط قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار.

وكما أشار الدكتور بدرة، يوفر خفض الفائدة بنسبة 1% ما يتراوح بين 70 و80 مليار جنيه سنويًا من أعباء خدمة الدين، مما يعني أن خفض 2% قد يوفر ما يصل إلى 140-160 مليار جنيه، وهذه الموارد يمكن أن تستخدم لتمويل مشروعات تنموية أو دعم السلع الأساسية، مما يساهم في تقليل الضغوط التضخمية على المواطنين.

ورغم التوقعات الإيجابية، لا تزال هناك مخاطر قد تؤثر على مسار التضخم، مثل ارتفاع أسعار الطاقة المتوقع قبل نهاية 2025 أو التغيرات في السياسات التجارية العالمية، كما أن التعديلات التشريعية مثل زيادة ضريبة القيمة المضافة أو رفع الدعم عن المحروقات قد تبطئ وتيرة انخفاض التضخم.

ومع ذلك، يرى البنك المركزي أن هذه المخاطر أصبحت أقل حدة مقارنة بالفترات السابقة، مما يدعم استمرار التيسير النقدي.

ويعد قرار خفض أسعار الفائدة بنسبة 2% في 28 أغسطس 2025 خطوة استراتيجية تهدف إلى دعم مسار التضخم الهبوطي وتعزيز النمو الاقتصادي في مصر، ومن خلال تقليل تكلفة الاقتراض، يعزز القرار جاذبية السوق المصرية للاستثمارات، مع الحفاظ على استقرار سعر الصرف والحد من خروج الأموال الساخنة. 

تم نسخ الرابط