جنون الذهب.. من وول ستريت إلى القاهرة
مع تجاوز أسعار الذهب مستوى 4500 دولار للأونصة، لم يعد الحديث عن ارتفاع سعري عادي، بل عن حالة هوس مالي عالمي. الشاشات تتوهج بالأرقام، والعناوين تتغنى بـ«الملاذ الآمن»، لكن الحقيقة الأعمق تكمن في من يحرق الأرض ويجني الذهب: ( البنوك العالمية، المصافي، والمتداولون الكبار).
الذهب لم يعد مجرد معدن، بل ساحة صراع مالي مفتوحة، ومن لا يعرف كيف يلعب… يُحرق.
البنوك تشعل الأسواق
اللافت أن المستفيد الأكبر ليس المستثمر الصغير، بل المؤسسات المالية العملاقة التي تحول الخوف العالمي إلى أرباح لا تتوقف، فيرادات تداول المعادن النفيسة ارتفعت بنحو 50% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، بينما حقق أكبر 12 بنكًا عالميًا قرابة 1.4 مليار دولار من تداول الذهب وحده.
بعد سنوات من الابتعاد عن المعدن الأصفر، أعادت بنوك كبرى مثل مورجان ستانلي وسوسيتيه جنرال فتح أقسام تداول كانت مغلقة، لتؤكد أن المال عاد بقوة إلى الذهب.
الخزائن ترتفع
تخزين الذهب كان نشاطًا هامشيًا ومملًا، لكنه اليوم مصدر دخل ثابت للبنوك الكبرى، حيث تمتلئ الخزائن بالمعدن مقابل رسوم تخزين ثابتة أو فوائد على الاحتياطات، فالذهب الراكد في الخزنة يولّد أرباحًا لا تقل أهمية عن التداول النشط.
التأثير على السوق المصري
جنون الذهب العالمي امتد سريعًا إلى السوق المصري. مع كل قفزة للأونصة عالميًا، ترتفع الأسعار محليًا بوتيرة أسرع، مدفوعة بالسعر العالمي، وسعر الصرف، وتكلفة الاستيراد.
جرام الذهب أصبح خارج متناول كثير من المواطنين، وتحول إلى أصل مضاربي بامتياز، يتداول عليه البعض يوميًا كما لو كان سهمًا عالي المخاطر.
وكان الذهب وعاءً آمنًا للادخار طويل الأجل، لكن موجة الصعود الجنوني حولت السلوك، فالمضاربة هي العنوان الآن، والشراء لم يعد للتحوط بل لمطاردة السعر، ما زاد سخونة السوق وفتح الباب لفقاعات قصيرة الأجل يدفع ثمنها من يتأخر في الدخول.
ضغط على العملة وتكلفة الاستيراد
ارتفاع الأسعار عالميًا يزيد فاتورة الاستيراد محليًا، ما يعني زيادة الطلب على العملة الأجنبية لتغطية الفجوة، في وقت حساس لسوق الصرف، فالذهب يتحول من ملاذ آمن إلى عامل ضغط اقتصادي، يرفع أسعار المشغولات ويزيد الفجوة بين السعر العالمي والمحلي.
والذهب المشتعل عالميًا أعاد رسم المشهد المالي في كل مكان، ومنه مصر، لكن بصورة أكثر قسوة، وهو نار ترفع الأسعار، تغري بالمضاربة، وتضغط على العملة، دون أن تخلق قيمة إنتاجية حقيقية داخل الاقتصاد المحلي.
في معركة الذهب العالمية، من يشعل النار هم الكبار، ومن يحصد الغنائم هم من يعرفون قواعد اللعبة، أما الباقي… فشاهد على اللهيب يدفع الثمن.

