الرهان الكبير.. 1.6 تريليون جنيه من البنوك في أذون الخزانة.. هل هذا بداية عصر ذهبي للاقتصاد المصري؟
شهدت استثمارات البنوك في أذون الخزانة المصرية قفزة ملحوظة، حيث بلغت نحو 1.6 تريليون جنيه بحلول بداية العام الجاري، وهذا التضاعف يعكس استراتيجيات البنوك للاستفادة من العوائد المرتفعة والمخاطر المنخفضة، وسط جهود حكومية لتمويل العجز المالي وتعزيز الاستقرار النقدي.
ووفقاً لتقارير صادرة عن البنك المركزي المصري، يأتي هذا الارتفاع كجزء من خطة أوسع لإصدار ديون محلية تصل إلى 2.7 تريليون جنيه في الربع الثالث من السنة المالية 2025/2026، مما يجعل أذون الخزانة أداة رئيسية لجذب السيولة من القطاع المصرفي.
الأسباب الاقتصادية وراء تضاعف استثمارات البنوك في أذون الخزانة
وشهدت استثمارات البنوك المصرية في أذون الخزانة ارتفاعاً كبيراً بسبب العوائد الجذابة التي تقدمها هذه الأدوات مقارنة بغيرها من الاستثمارات.
ووفقاً لبيانات البنك المركزي، بلغت محافظ الأوراق المالية وأذون الخزانة لدى البنوك نحو 7.662 تريليون جنيه في سبتمبر 2025، مع زيادة قدرها 549 مليار جنيه عن الربع السابق.
وهذا الارتفاع يعود بشكل أساسي إلى انخفاض عوائد الشهادات الادخارية بعد قرارات البنك المركزي بخفض أسعار الفائدة بنسبة 7.25% خلال 2025، مما جعل أذون الخزانة خياراً أكثر جاذبية بسبب عوائدها التي تصل إلى 25.51% للأجل التسعة أشهر.
كما أن البنوك الحكومية، التي تمثل أكبر المستثمرين في هذه الأدوات، ترى في أذون الخزانة فرصة لإدارة السيولة بفعالية، خاصة مع بيع الحكومة أذوناً بقيمة تزيد عن 136 مليار جنيه في فترات حديثة، مسجلة زيادة بنسبة 81% عن الهدف المخطط.
وقال عمرو الأفيفي، رئيس بحوث شركة ثندر للوساطة المالية: "الصناديق النقدية قد تكون الخيار الأفضل في الفترة المقبلة، خاصة أنها تستثمر في أذون الخزانة والسندات ذات العوائد العالية الحالية، مما يمنحها قدرة أكبر على الحفاظ على مستويات عوائد مرتفعة لفترة أطول، حتى لو بدأ دورة خفض أسعار الفائدة".
وهذا الرأي يعكس كيف أن البنوك تتجه نحو هذه الأدوات للحفاظ على استقرار العوائد في ظل التقلبات النقدية.
دور السياسات النقدية للبنك المركزي في تشجيع الاستثمار
ولعب البنك المركزي المصري دوراً محورياً في هذا التضاعف من خلال إصدارات متكررة لأذون الخزانة بالدولار والجنيه.

وعلى سبيل المثال، جذب البنك مؤخراً عروضاً بقيمة 1.14 مليار دولار لأذون خزانة بالدولار لمدة عام، مقبلاً 961 مليون دولار بعائد 3.5%.
كما أصدر أذوناً محلية بقيمة 95 مليار جنيه في يناير 2026، مع آجال تصل إلى 364 يوماً.
وهذه الإصدارات تأتي ضمن خطة لتمويل احتياجات التمويل الإجمالية التي بلغت 3.1 تريليون جنيه في ميزانية 2025/2026، بانخفاض طفيف عن العام السابق.
وبالإضافة إلى ذلك، ساهمت تدفقات الاستثمارات الأجنبية في تعزيز الثقة، حيث بلغت حيازات الأجانب من أذون الخزانة 1.77 تريليون جنيه بنهاية يناير 2025، مع زيادة بنسبة 10.1% شهرياً.
وقالت سحر الدماطي، نائب رئيس سابق لبنك مصر: "الاستثمار في الشهادات الادخارية وأذون الخزانة سيظل الخيار الأول للطبقة الوسطى بسبب طبيعتها التي تفضل المخاطر المنخفضة، وهي تبحث دائماً عن استثمار ينتج عائداً شهرياً أو ربع سنوياً منتظماً لمساعدتها في تغطية تكاليف المعيشة".
وهذا التوجه يمتد إلى البنوك التي ترى في هذه الأدوات أماناً مضموناً من الحكومة، خاصة مع تقلص نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من 80% بحلول يونيو 2027.
التأثير على الاقتصاد المصري
ويسهم هذا التضاعف في تعزيز الاستقرار المالي، حيث يساعد في تغطية العجز الذي بلغ 881.7 مليار جنيه في النصف الأول من السنة المالية، أي 4.2% من الناتج المحلي.
كما يدعم نمو الاقتصاد الذي وصل إلى 5% في 2025، مدعوماً بتدفقات رأس المال وانخفاض قيمة الدولار.
ومع ذلك، يحذر الخبراء من مخاطر الاعتماد الزائد على الديون المحلية، حيث بلغ الدين العام 14.9 تريليون جنيه في الربع الثاني من 2025.
وقد يؤدي خفض الفائدة المستمر إلى تراجع الجاذبية، مما يدفع البنوك إلى البحث عن بدائل مثل الصناديق النقدية.
التوقعات المستقبلية لاستثمارات البنوك في أذون الخزانة
ومع خطط الحكومة لإصدار ديون إضافية بقيمة 2.703 تريليون جنيه في الربع الثالث، من المتوقع استمرار الاتجاه الصعودي.
ويتوقع صندوق النقد الدولي فجوة تمويل تصل إلى 8.2 مليار دولار في 2025/2026، مما يعزز الحاجة إلى أذون الخزانة.
ومع ذلك، قد يؤدي تحسن المؤشرات الاقتصادية، مثل الفائض الأولي البالغ 382.8 مليار جنيه، إلى تقليل الضغط على الديون.
ويرى المحللون أن البنوك ستستمر في الاستثمار بشرط الحفاظ على عوائد تنافسية، مع تركيز على التنويع لمواجهة أي تغيرات في السياسة النقدية.
ويمثل تضاعف استثمارات البنوك في أذون الخزانة دليلاً على قوة الاقتصاد المصري وقدرته على جذب السيولة المحلية، لكنه يتطلب إدارة حذرة لتجنب المخاطر طويلة الأجل، ومع استمرار الإصلاحات، قد يشهد العام 2026 توازناً أفضل بين التمويل والنمو المستدام.
