تداول أذون الخزانة في البورصة المصرية.. هل يسحب السيولة من شهادات البنوك؟
في ظل تدفق سيولة هائلة ناتجة عن استحقاقات الشهادات البنكية ذات العوائد المرتفعة، يطرح قرار إتاحة تداول أذون الخزانة عبر البورصة المصرية تساؤلات حول مستقبل الودائع في البنوك.
ومع بدء تنفيذ نظام "G-FIT" للتداول المستمر، يرى خبراء أن هذا التحول قد يعيد رسم خريطة الاستثمار في مصر، خاصة مع عوائد الأذون التي تفوق الشهادات الحالية.
ووفقاً لأحدث البيانات، بلغت سيولة الاستحقاقات نحو 1.3 تريليون جنيه منذ بداية العام، مما يجعل المنافسة على جذب هذه الأموال أكثر حدة.
وفي هذا التقرير، من سمارت فاينانس، نستعرض هل يسحي تداول أذون الخنزانة في البورصة المصرية السيولة من شهادات البنوك؟.
بديل مرن وجذاب للمستثمرين الأفراد
وأذون الخزانة هي أدوات دين حكومية قصيرة الأجل، تصدرها وزارة المالية لتمويل العجز المالي، وتتراوح مدتها بين 91 يوماً و364 يوماً.
وسابقاً، كانت محصورة في تعاملات البنوك والمؤسسات الكبرى، لكن مع إطلاق نظام التداول الجديد في البورصة، أصبحت متاحة للأفراد عبر شركات السمسرة، تماماً كالتداول في الأسهم.
وهذا النظام يتيح بيع وشراء الأذون في السوق الثانوية، مما يوفر سيولة يومية غير متوفرة في الشهادات البنكية التي تتطلب تجميد الأموال لفترات أطول.
ووفقاً لبيانات البنك المركزي المصري، بلغ حجم التداول في السوق الثانوي لأذون الخزانة بالجنيه أكثر من 14 مليار جنيه في جلسة واحدة مؤخراً، مع متوسط عوائد مرجحة تصل إلى 24.32% لأجل 6 أشهر و23.34% لأجل عام.
وهذه العوائد تفوق بوضوح تلك الخاصة بالشهادات البنكية الحالية، التي تراجعت إلى مستويات تتراوح بين 16% و17.25% بعد خفض أسعار الفائدة من قبل البنك المركزي.
حول تدريجي نحو الأذون
ومع استحقاق شهادات العوائد 27% و23.5% التي طرحتها بنوك مثل الأهلي ومصر، تدفقت سيولة كبيرة إلى السوق، وجزء منها توجه نحو أذون الخزانة كبديل أكثر جاذبية.
والخبراء يؤكدون أن هذا التداول الجديد يسحب فعلياً جزءاً من السيولة من البنوك، حيث يمنح المستثمرين مرونة أكبر ودخلاً أعلى.
وقال طارق متولي، نائب رئيس بنك بلوم سابقاً، إن "القرار قوي جداً وسيعيد تشكيل المنافسة مع البنوك، خاصة في ودائع الأفراد"، مضيفاً أن فارق العائد ليس مجرد رقم، بل يتعلق بكفاءة التوظيف، إذ تحتفظ البنوك باحتياطي إلزامي دون عائد يصل إلى 18%، مما يقلل العائد الفعلي للمودع.
وبالإضافة إلى ذلك، أدى تراجع التضخم إلى 12.3% بنهاية 2025 إلى خفض أسعار الفائدة، مما جعل الشهادات أقل جاذبية.
ووفقاً لتقارير، قد يصل التأثير إلى سحب 40-50 مليار جنيه من سيولة الشهادات المنتهية، خاصة مع توقعات بخفض إضافي للفائدة بنسبة 4-6% خلال 2026.

منافسة تعزز الكفاءة لكنها تحمل مخاطر
ويختلف الخبراء في تقييم حجم التأثير، لكنهم يتفقون على أن تداول الأذون يعزز التنافسية، حيث يرى محمود جمال سعيد، الباحث الاقتصادي، أن "الصناديق النقدية وأذون الخزانة أصبحتا الخيار الأذكى لمن يريد سيولة يومية مع عوائد تفوق الشهادات".
ومن جانبها، تحذر سهر الدماطي، نائبة رئيس بنك مصر الأسبق، من مخاطر الأذون قصيرة الأجل، قائلة: "رغم عوائدها الأعلى، إلا أن مدتها القصيرة تعرض المستثمرين لتقلبات العائد عند التجديد، مما يجعل الشهادات خياراً آمناً للطبقة المتوسطة التي تفضل الاستقرار".
كما أشار حسام عيد، عضو مجلس شركة كابيتال فاينانشال، إلى أن استمرار التيسير النقدي قد يدفع المستثمرين نحو الخروج من القطاع المصرفي إلى التدفقات في قطاعات أخرى، مثل الأسهم، مما يساعد البورصة على تجاوز عمليات التصحيح.
عوائد وتدفقات في فبراير 2026
وتشير بيانات وزارة المالية إلى طرح أذون خزانة بقيمة 90 مليار جنيه اليوم، بمتوسط عائد 23.94% لأجل 182 يوماً (أعلى 24.03%)، و22.93% لأجل 364 يوماً (أعلى 23%).
أما البنك المركزي، فقد باع أذون خزانة دولارية بقيمة 961 مليون دولار بمتوسط عائد 3.5%.
وفي المقابل، انخفضت عوائد الشهادات إلى أقل من 18%، مما دفع سيولة الاستحقاقات نحو الذهب (45.1 طن مشتراة في 2025) وأذون الخزانة كبدائل رئيسية.
وهذه الأرقام تبرز تفوق الأذون في الجاذبية قصيرة الأمد، مع مخاطر أقل مقارنة بالأسهم أو العقارات.
الذهب والصناديق النقدية في الصدارة
ومع تدفق السيولة، أصبح الذهب ملاذاً آمناً، حيث شهد ارتفاعاً في الطلب بعد استحقاقات يناير، مما أدى إلى قوائم انتظار للسبائك.
كما جذبت الصناديق النقدية، التي تستثمر في أذون الخزانة، جزءاً من السيولة بفضل مرونتها، وينصح الخبراء بتنويع المحافظ بين الشهادات، الأذون، والأسهم لمواجهة التضخم المتوقع عند 9% بنهاية 2026، مع التركيز على الذهب كحماية ضد التقلبات.
إعادة تشكيل السوق المالية
ويبدو أن تداول أذون الخزانة في البورصة يسحب فعلياً سيولة من الشهادات البنكية، لكنه يعزز التنافسية في السوق المالية، مما يفيد المستثمرين بالمزيد من الخيارات.
ومع تحسن الاحتياطيات الأجنبية إلى 52.6 مليار دولار وتباطؤ التضخم، قد تشهد مصر نمواً في الاستثمارات الخاصة.
ومع ذلك، يظل التحدي في الحفاظ على توازن بين جاذبية البنوك والابتكار في البورصة، وكما يقول الخبراء، "السيولة تتدفق حيث العائد الأعلى والمرونة الأكبر"، وهذا ما يحدد مستقبل الادخار في مصر.