كم سيوفر الربط الكهربائي بين مصر والسعودية في 2026 وما بعدها؟
في خطوة تاريخية تعزز من التعاون الإقليمي في مجال الطاقة، يقترب مشروع الربط الكهربائي بين مصر والمملكة العربية السعودية من الاكتمال التام، مع توقعات ببدء التشغيل الكامل بحلول أبريل المقبل.
وهذا المشروع، الذي يعد الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط، ليس مجرد رابط فني بين شبكتي الكهرباء في البلدين، بل هو استثمار استراتيجي يعد بتوفير مئات الملايين من الدولارات سنويًا، ويفتح آفاقًا جديدة لسوق طاقة عربية مشتركة.
ومع ارتفاع الطلب على الطاقة في المنطقة، يأتي هذا الربط كحل عملي لمواجهة تحديات الذروة الصيفية في مصر والشتوية في السعودية، مما يقلل من الاعتماد على الوقود الأحفوري ويحسن الكفاءة العامة.
ووفقًا لتقارير حديثة من وزارة الكهرباء، بلغت نسبة الإنجاز في المشروع 95% بحلول نهاية العام الماضي، مع إجراء تجارب الأحمال المتدرجة حاليًا لضمان الاستقرار، حيث يتوقع أن يساهم الربط في توفير نحو 600 مليون دولار سنويًا للبلدين مجتمعين، من خلال تبادل الطاقة الفائضة وتجنب إنشاء محطات توليد إضافية.
وهذه الأرقام ليست مجرد تقديرات، إنها تعكس الفرص الاقتصادية التي يوفرها اختلاف أوقات الذروة بين الشبكتين، حيث يصل الطلب في مصر إلى ذروته في الصيف بسبب الحرارة الشديدة، بينما يرتفع في السعودية خلال الشتاء.
وفي هذا التقرير، من سمارت فاينانس، نستعرض تفاصيل المشروع، وما الذي سيقدمه للدولتين.
ما هو مشروع الربط الكهربائي بين مصر والسعودية؟
وبدأت فكرة الربط الكهربائي بين مصر والسعودية في الظهور منذ سنوات، لكنها تحولت إلى واقع ملموس مع توقيع العقود في عام 2021 بين الشركة المصرية لنقل الكهرباء (EETC) والشركة السعودية للكهرباء (SEC).
ويمتد المشروع على مسافة تزيد عن 1350 كيلومترًا، تشمل خطوط نقل هوائية طولها 1300 كيلومتر وكابلًا بحريًا تحت خليج العقبة يبلغ طوله 20 كيلومترًا. يعتمد الربط على تقنية التيار المستمر عالي الجهد (HVDC) بجهد ±500 كيلوفولت، مما يجعله أول رابط HVDC واسع النطاق في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
ويتكون المشروع من ثلاث محطات تحويل رئيسية: محطة بدر في شرق القاهرة بمصر، ومحطتي تبوك وشرق المدينة المنورة في السعودية.
وتبلغ التكلفة الإجمالية نحو 1.8 مليار دولار، ممولة جزئيًا من خلال قروض تصديرية وتمويل داخلي، في حين أن الهدف الرئيسي هو تبادل ما يصل إلى 3000 ميجاواط من الطاقة، مع بدء المرحلة الأولى بـ1500 ميجاواط في يناير 2026، تليها المرحلة الثانية للوصول إلى السعة الكاملة.
وهذا الربط ليس قاصرًا على البلدين؛ إنه يربط بين شبكات دول الخليج وشمال أفريقيا، مما يعزز من مفهوم السوق الكهربائية العربية المشتركة.
التوفير المالي المتوقع من الربط الكهربائي
ويعد التوفير المالي أحد أبرز مزايا هذا المشروع، ووفقًا لدراسات متخصصة، يمكن أن يصل التوفير السنوي إلى 600 مليون دولار، ناتج عن تقليل استهلاك الوقود وتجنب بناء محطات توليد جديدة.

وفي الواقع، يسمح الربط باستغلال الفرق في أوقات الذروة، فخلال الصيف، يمكن للسعودية تصدير الطاقة الفائضة إلى مصر، والعكس في الشتاء.
وهذا يقلل من الحاجة إلى تشغيل محطات احتياطية مكلفة، مما يوفر في تكاليف التشغيل والصيانة.
وعلى المستوى الإقليمي، أظهرت تحليلات أن الربط بين مصر والسعودية يساهم بنسبة 20% من المكاسب الاقتصادية للتجارة الكهربائية في الشرق الأوسط، مع انخفاض في تكاليف الإنتاج المتغيرة بنسبة 1.6% سنويًا.
كما أنه يتجنب إهدار 35% من الطاقة المتجددة المولدة، خاصة مع توسع مصر في مشاريع الطاقة الشمسية والرياح.
وفي سياق أوسع، ساهم ربط دول الخليج الكهربائي منذ 2019 في توفير 3 مليارات دولار، ومن المتوقع أن يعزز الربط المصري-السعودي هذه الأرقام بشكل كبير.
الجدول الزمني والتقدم في تنفيذ المشروع حتى 2026
ومع اقتراب صيف 2026، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي ووزير الكهرباء محمود عصمت، أن المرحلة الأولى ستدخل الخدمة قريبًا لدعم الشبكة الوطنية.
وبلغ التقدم 95% في أكتوبر 2025، مع إكمال الكابل البحري وخطوط النقل الرئيسية، حيث بدأت التجارب التجريبية في يناير 2026، ومن المتوقع التشغيل الكامل بحلول أبريل.
وواجه المشروع بعض التأخيرات بسبب الاختبارات الفنية، لكنه يتقدم وفق الجدول الزمني المعدل، حيث استثمرت الحكومة 35 مليار جنيه مصري (حوالي 700 مليون دولار) في تحديث الشبكة، بما في ذلك إضافة 1000 كيلومتر من خطوط النقل عالية الجهد.
وهذا يضمن اندماج الربط مع الشبكة المصرية، التي بلغت قدراتها المتجددة 8866 ميجاواط بحلول نهاية 2025.
الفوائد البيئية والاقتصادية طويلة الأمد
وبالإضافة إلى التوفير المالي، يساهم المشروع في تقليل الانبعاثات الكربونية بنحو 8 ملايين طن متري سنويًا بحلول 2030، من خلال دمج الطاقة المتجددة بشكل أفضل.
ويعزز الربط من أمن الطاقة الإقليمي، حيث يربط بين أكبر منظومتين كهربائيتين عربيتين (قدرة إجمالية تزيد عن 90 ألف ميجاواط).
واقتصاديًا، يفتح أبواب الاستثمار في الطاقة المتجددة، مع خطط مصر للوصول إلى 20% من الطاقة المتجددة في مزيجها بحلول 2026.
كما يدعم المشروع طموحات مصر في أن تصبح مركزًا إقليميًا للطاقة، مع توسيع الربط مع دول أخرى مثل الأردن والسودان وقبرص، وهذا يقلل من خسائر النقل، التي بلغت 16.5% في مصر العام الماضي، ويحسن الكفاءة العامة.
مستقبل الطاقة العربية المشتركة
ومع اقتراب التشغيل الكامل، يمثل الربط الكهربائي بين مصر والسعودية نموذجًا للتعاون الإقليمي في مواجهة تحديات الطاقة، وليس فقط في التوفير المالي الذي يصل إلى 600 مليون دولار سنويًا، بل في بناء نظام طاقي مستدام يعتمد على التبادل والكفاءة.
ومع تزايد الاعتماد على الطاقة المتجددة، سيصبح هذا الربط أساسًا لسوق طاقة عربية متكاملة، تساهم في نمو اقتصادي مستدام وتقليل الاعتماد على الواردات.