بشرة خير.. لماذا يتراجع الدولار أمام الجنيه المصري رغم ارتفاعه عالميًا؟
في مفارقة لافتة أثارت تساؤلات المستثمرين والمتعاملين في سوق الصرف، يواصل الدولار الأمريكي تراجعه أمام الجنيه المصري خلال تعاملات اليوم الخميس 2 يوليو 2026، رغم أن العملة الأمريكية تحقق مكاسب في عدد من الأسواق العالمية مدعومة بقوة الاقتصاد الأمريكي وتوقعات استمرار التشدد النقدي في الولايات المتحدة.
وبينما يبدو المشهد متناقضًا للوهلة الأولى، يؤكد خبراء الاقتصاد أن حركة سعر الصرف داخل مصر تخضع لعوامل محلية تختلف إلى حد كبير عن المؤثرات التي تحرك الدولار عالميًا، وهو ما يفسر استمرار انخفاض سعر العملة الأمريكية في البنوك المصرية خلال الأسابيع الأخيرة.
لماذا يرتفع الدولار عالميًا ويتراجع داخل مصر؟
ويرتبط ارتفاع الدولار عالميًا بعوامل تتعلق بالاقتصاد الأمريكي، مثل قوة بيانات سوق العمل، وتوقعات أسعار الفائدة، وزيادة الطلب على الأصول المقومة بالدولار باعتباره ملاذًا آمنًا في أوقات التوترات الجيوسياسية والاقتصادية.
أما في السوق المصرية، فإن سعر الدولار يتحدد بصورة رئيسية وفقًا لحجم العرض والطلب على النقد الأجنبي داخل البلاد، وليس وفقًا لتحركات مؤشر الدولار العالمي فقط.
ولذلك، قد يرتفع الدولار أمام معظم العملات العالمية، بينما ينخفض أمام الجنيه المصري إذا زادت السيولة الدولارية داخل الجهاز المصرفي المصري.
زيادة المعروض من النقد الأجنبي أبرز أسباب التراجع
ويرى عدد من الخبراء المصرفيين أن العامل الأكثر تأثيرًا في انخفاض الدولار خلال الفترة الحالية هو ارتفاع المعروض من العملات الأجنبية داخل البنوك مقارنة بحجم الطلب عليها.
وشهدت السوق المصرية خلال الأشهر الأخيرة تحسنًا ملحوظًا في تدفقات النقد الأجنبي، سواء عبر استثمارات الأجانب في أذون وسندات الخزانة، أو من خلال زيادة تحويلات المصريين العاملين بالخارج، إلى جانب استمرار تعافي قطاع السياحة وتحسن إيرادات عدد من مصادر العملة الصعبة، وهو ما وفر سيولة دولارية أكبر داخل القطاع المصرفي.
الأموال الأجنبية تدعم الجنيه المصري
ولعبت الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، خاصة في أدوات الدين الحكومية، دورًا رئيسيًا في تعزيز قوة الجنيه خلال الفترة الأخيرة.
فمع استمرار تطبيق نظام سعر الصرف المرن وارتفاع العائد الحقيقي على أدوات الدين المصرية، عاد عدد كبير من المستثمرين الأجانب إلى السوق المحلية، وهو ما أدى إلى تدفقات دولارية ساهمت في زيادة المعروض داخل البنوك، وبالتالي انخفاض سعر الدولار.
ويؤكد محللون اقتصاديون أن دخول هذه التدفقات كان أحد أهم الأسباب وراء تحسن أداء الجنيه رغم استمرار ارتفاع الدولار عالميًا.
توقعات التمويلات الدولية تعزز ثقة المستثمرين
ومن العوامل التي دعمت الجنيه أيضًا، تزايد التوقعات بحصول مصر على شرائح تمويل جديدة ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي، إضافة إلى استمرار التعاون مع المؤسسات المالية الدولية والشركاء الأوروبيين.

وتنعكس هذه التوقعات بصورة مباشرة على ثقة المستثمرين، حيث تزيد من الاطمئنان إلى قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية، كما تشجع على دخول استثمارات أجنبية جديدة، وهو ما يدعم استقرار سوق الصرف.
نظام سعر الصرف المرن غير قواعد السوق
ومنذ اعتماد نظام أكثر مرونة لسعر الصرف، أصبح الدولار يتحرك داخل مصر وفقًا لقوى العرض والطلب بصورة أكبر مقارنة بالسنوات السابقة.
ويؤكد خبراء مصرفيون أن هذه الآلية سمحت بامتصاص الصدمات الخارجية بصورة أكثر كفاءة، كما أعادت الثقة إلى المستثمرين، وأدت إلى القضاء على الفجوة الكبيرة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، وهو ما انعكس في زيادة تدفقات النقد الأجنبي إلى البنوك.
هل يستمر تراجع الدولار؟
ويتوقف استمرار انخفاض الدولار خلال الفترة المقبلة على عدة عوامل، أهمها استمرار تدفقات النقد الأجنبي، وعدم حدوث موجات خروج كبيرة للاستثمارات الأجنبية، إلى جانب الحفاظ على مستويات قوية من إيرادات السياحة وتحويلات العاملين بالخارج.
ويرى بعض المحللين أن الدولار قد يواصل التراجع إذا استمرت التدفقات الحالية، بينما يحذر آخرون من أن أي تغير في الأوضاع الجيوسياسية أو في توجهات المستثمرين العالميين قد يؤدي إلى عودة الضغوط على سوق الصرف، خاصة أن جزءًا من التدفقات الحالية يعتمد على استثمارات المحافظ المالية التي تتميز بسرعة الدخول والخروج.
ما تأثير انخفاض الدولار على الاقتصاد المصري؟
ويسهم تراجع الدولار في تخفيف الضغوط التضخمية، إذ يؤدي إلى تقليل تكلفة استيراد العديد من السلع والخامات ومستلزمات الإنتاج، وهو ما يمنح الشركات مساحة أكبر لخفض تكاليف التشغيل تدريجيًا.
كما يساعد استقرار سوق الصرف في تحسين مناخ الاستثمار، ويعزز قدرة الشركات على التخطيط المالي، إضافة إلى تقوية ثقة المستثمرين المحليين والأجانب في الاقتصاد المصري.
ولكن في المقابل، يشير خبراء إلى أن استدامة هذا التحسن تتطلب استمرار زيادة الموارد الدولارية الحقيقية من التصدير والإنتاج والسياحة، وليس الاعتماد فقط على التدفقات الاستثمارية قصيرة الأجل، لضمان استقرار طويل الأمد لسوق الصرف.
ورغم استمرار قوة الدولار في الأسواق العالمية، فإن السوق المصرية تسير وفق معادلات مختلفة تعتمد بالأساس على العرض والطلب المحليين.
وقد أدى ارتفاع تدفقات النقد الأجنبي، وعودة الاستثمارات الأجنبية، وتحسن موارد العملة الصعبة، إلى زيادة المعروض من الدولار داخل البنوك، وهو ما دفع العملة الأمريكية إلى التراجع أمام الجنيه المصري خلال الفترة الأخيرة.
ومع استمرار برنامج الإصلاح الاقتصادي وتدفق التمويلات والاستثمارات، تبقى الأنظار موجهة إلى قدرة الاقتصاد المصري على الحفاظ على هذا الزخم وتحويله إلى استقرار دائم في سوق الصرف، بما ينعكس إيجابًا على معدلات التضخم والاستثمار والنمو الاقتصادي.