عمرو عامر يكتب: التاريخ ليس للبيع.. اوقفو جريمة الباتروس

عمرو عامر
عمرو عامر

لا أحد يختلف على أهمية تشجيع الاستثمار الأجنبي والمحلي، ولا ينكر عاقل أهمية تعظيم إيرادات المجلس الأعلى للآثار لتمويل عمليات الترميم والصيانة، لكن عندما يتحول التفتيش عن الموارد المالية إلى "تعدٍّ صارخ" على حرمة الآثار ووقار التاريخ، فإن الأمر يتجاوز حدود "الصفقة الاستثمارية" ليصبح تهديدًا لهوية وثقافة الوطن.
 

​يدور الحديث اليوم عن مشروع استثماري تُقدر تكلفته بنحو 4 مليارات و24 مليون جنيه، تحاول مجموعة "فنادق الباتروس" تنفيذه عبر إنشاء فندق بوتيك فاخر (بسعة 180 إلى 200 غرفة) داخل حرم المتحف القومي للحضارة المصرية بالفسطاط. 

 

الظاهر من المشروع هو تقديم تمويل كامل دون تحميل الدولة أي أعباء مالية، وزيادة تدفقات الزائرين؛ لكن الباطن والمُلتوي في التفاصيل وما بين السطور يحمل في طياته كارثة أثرية وهندسية لا يمكن التغاضي عنها.

 

ديسكو ليلي على بُعد خطوات من المومياوات الملكية!

أغفل المطالبون بالمشروع الحقيقة الجوهرية لمنطقة الفسطاط والمتحف فالمشروع لا يتضمن فقط غرفًا فندقية، بل يشمل إنشاء مطاعم، وحديقة نباتية، والأدهى من ذلك يشمل إنشاء بار ونادٍ ليلي (ديسكو) يُستحدث داخل مبنى مصمم على شكل هرم زجاجي!

 

كيف استقام في أذهان أصحاب هذا المقترح وضع "ملهى ليلي" وبارات في بقعة تحتضن أجساد ملوك وملكات مصر العظام؟ قاعة المومياوات الملكية — التي شهد العالم أجمع موكبها الذهبي المهيب — لا تفصلها عن هذا المشروع الترفيهي سوى خطوات معدودة، إن هذا التضارب الصارخ بين أجواء "الصخب والسهر" ووقار "السكينة والموت الملكي" يمثل تشويهًا بصريًا وثقافيًا لا يُغتفر.



هدم مخازن الآثار وقتل للتوسعة المستقبلية

 

المخاطر لا تتوقف عند حدود التشويه الأخلاقي والمعماري، بل تمتد لتضرب البنية التحتية للمتحف حيث تشمل ​هدم 4 مخازن أثرية مخصصة لحفظ الآثار وتراث الحضارة المصرية لاستبدالها بمنتجع ترفيهي، وهو ما يمثل سابقة خطيرة في التعامل مع المنشآت الخدمية للآثار، بجانب ​مصادرة التوسعة المستقبلية واغفال أن أي متحف عالمي بحجم "متحف الحضارة" يحتاج إلى ظهير مكاني للتوسع في العروض والتخزين والبحوث مستقبلاً و استقطاع هذه المساحة لصالح فندق يغلق تمامًا آفاق التطوير المستقبلي للمتحف.
 

 

​الرفض القاطع والمُعلن من رئيس هيئة المتحف القومي للحضارة المصرية يُعد جرس إنذار حقيقي وموقفا شجاعاً يحسب له فهذا الرفض الصادر من أعلى سلطة تنفيذية وفنية بالمتحف يعكس عمق الخطر ويدحض كافة المبررات التسويقية التي تحاول الشركة الاستثمارية التغطية بها على حقيقة المشروع.


 

ثقة الشركة في المضي بتنفيذ المشروع رغم كل الاعتراضات يفتح القوس لعلامات استفهام قوية وأسئلة حائرة تحتاج لإجابات عاجلة حول التفاصيل الغير معلنة الصفقة والأطراف المستفيدة منها سواء رجال أعمال أو هيئات من مصلحتها تمرير المشروع ولو على رؤوس ملوك مصر.


مبررات واهية.. وأراضٍ بديلة متوفرة

 



تحاول الشركة المُنفذة التغطية على المحتوى الترفيهي للمشروع عبر الترويج له باعتباره "فندقًا استثماريًا ينشط حركة الزيارة للمتحف، ولكن هل يعجز السائح عن الإقامة في عشرات الفنادق المجاورة في القاهرة ليتم اقتطاع جزء من حرم المتحف نفسه؟
 

​إن المنطقة المحيطة بالمتحف والقاهرة الكبرى مليئة بقطع أراضٍ بديلة تُمكن مجموعة الباتروس — أو غيرها — من إنشاء الفندق والملهى ليلي بعيدًا عن الحرم الأثري، دون المساس بالمتحف أو التأثير على حركة الزائرين ورونق المكان.


يدور الحديث اليوم عن مشروع استثماري تُقدر تكلفته بنحو 4 مليارات و24 مليون جنيه، تحاول مجموعة



كلمة أخيرة لرئيس الوزراء



إن الموافقة المبدئية التي حصل عليها المشروع في عهد أحد الوزراء السابقين — وليس في عهد الوزير الحالي شريف فتحي — لا تعني بالضرورة صواب القرار فالملف الآن بين يدي مجلس الوزراء، وهو السد المنيع الأخير لحماية هذا الصرح الحضاري.
 

​إن الحفاظ على هيبة متحف الحضارة المصرية، واحترام أرواح ملوك مصر القدماء، وصون أصول الدولة الأثرية من الهدم والتجريف، أسمى من أي استثمار وأكبر من أي إيرادات، ننتظر من مجلس الوزراء قرارًا شجاعًا يتسق مع موقف خبراء الآثار ورئاسة المتحف بالرفض التام والمطلق للمشروع في هذا الموقع وإلا فإن الشبهات ستدور حول طرف خفي من مصلحته تنفيذ المشروع طرف يرى نفسه فوق القانون وفوق المحاسبة والرفض.

تم نسخ الرابط