مصر تراهن على الهيدروجين الأخضر.. 1.5 مليون طن مستهدف الإنتاج
تسعى مصر إلى التحول إلى مركز إقليمي وعالمي لصناعة الهيدروجين الأخضر، مستفيدة من ثرواتها الطبيعية في الطاقة الشمسية والرياح وموقعها الجغرافي القريب من الأسواق الأوروبية، في وقت تتزايد فيه احتياجات العالم إلى مصادر الطاقة النظيفة، وتبحث فيه الدول الصناعية عن بدائل للوقود التقليدي لخفض الانبعاثات الكربونية.
وتراهن القاهرة على تحويل الاتفاقيات الاستثمارية التي جرى توقيعها خلال السنوات الماضية إلى مشروعات إنتاجية فعلية، مع استهداف الوصول إلى إنتاج نحو 1.5 مليون طن من الهيدروجين بحلول عام 2032، والاستحواذ على حصة تتراوح بين 5% و8% من السوق العالمية بحلول 2040، بما يضع مصر أمام فرصة لتعزيز صادراتها من الطاقة النظيفة ومشتقاتها.
3.7 دولار تكلفة إنتاج كيلوغرام الهيدروجين الأخضر في مصر
وتتمثل إحدى أبرز نقاط القوة المصرية في انخفاض تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر مقارنة بعدد من الأسواق المنافسة، إذ تقدر تكلفة إنتاج الكيلوغرام بنحو 3.7 دولار، مقابل نحو 7 دولارات في الولايات المتحدة و8.5 دولار في أوروبا، ونحو 4.2 دولار في بعض الأسواق الأخرى.
وتستند هذه الميزة إلى وفرة مصادر الطاقة المتجددة، التي توفر الكهرباء اللازمة لتشغيل المحللات الكهربائية المستخدمة في إنتاج الهيدروجين، فضلاً عن القرب من الأسواق الأوروبية وامتلاك مصر موانئ ومناطق صناعية يمكن توظيفها في عمليات التخزين والتصدير، خاصة للأمونيا الخضراء.
العين السخنة تقود الانطلاقة المصرية
ويمثل مشروع الهيدروجين الأخضر بالعين السخنة إحدى أبرز الخطوات العملية في هذا القطاع، من خلال تحالف يضم شركات «سكاتك» النرويجية و«فيرتيغلوب» و«أوراسكوم للإنشاءات»، إلى جانب صندوق مصر السيادي.
ويستهدف المشروع رفع قدرته الإنتاجية إلى نحو 100 ميغاواط خلال عامي 2026 و2027، مقارنة بالمرحلة التجريبية التي بدأت في نوفمبر 2022 بقدرة 15 ميغاواط.
ولا تتوقف خطط التوسع عند العين السخنة، إذ تشمل مناطق طور سيناء ورأس شقير وجرجوب وحلايب وشلاتين، مع توقعات بإمكانية تنفيذ 4 إلى 6 مصانع للهيدروجين الأخضر حتى عام 2032، بقدرة إنتاجية تقارب 200 ميغاواط للمصنع الواحد.
أوروبا سوق التصدير الأكبر ومليونا طن طلب محتمل محلياً
وتفتح احتياجات أوروبا المستقبلية من الهيدروجين منخفض الانبعاثات آفاقاً واسعة أمام الصادرات المصرية، إذ تقدر احتياجات الاتحاد الأوروبي بنحو 60 مليون طن سنوياً بحلول 2050، مع توقع استيراد نحو 30 مليون طن من خارج دول التكتل.
وفي المقابل، لا تعتمد فرص نمو الصناعة المصرية على التصدير فقط، إذ يمكن أن يشكل السوق المحلي محركاً رئيسياً للاستثمارات الجديدة، خصوصاً في قطاع الحديد والصلب، حيث قد يصل الطلب المحتمل على الهيدروجين الأخضر إلى نحو مليوني طن سنوياً إذا تحولت المصانع إلى استخدامه بدلاً من الغاز الطبيعي في بعض عمليات الإنتاج.
التمويل واتفاقيات الشراء أبرز العقبات أمام المشروعات
ورغم المقومات التنافسية، لا تزال تكلفة الاستثمار والتمويل واستكمال اتفاقيات شراء الإنتاج تمثل تحديات رئيسية أمام تنفيذ المشروعات. فمن بين نحو 30 مذكرة تفاهم وقعتها مصر خلال مؤتمر المناخ COP27 عام 2022، انتقل 12 مشروعاً إلى اتفاقيات إطارية مبدئية.
وتشير التقديرات إلى أن إنشاء مصنع للهيدروجين الأخضر يستغرق ما بين 36 و40 شهراً، بينما يبلغ متوسط الاستثمارات المطلوبة للمشروع الواحد نحو 4 مليارات دولار، تشمل مصنع الهيدروجين ومصنع الأمونيا.
كما تستحوذ المحللات الكهربائية على نحو 40% إلى 45% من التكلفة الاستثمارية للمشروع، ما يجعل أسعار المعدات وتوافر التمويل عاملين مؤثرين في قرارات التنفيذ.
وتعزز أسعار النفط والغاز المرتفعة فرص التحول إلى مصادر الطاقة النظيفة، لكنها لا تكفي وحدها لضمان الجدوى الاقتصادية، التي تظل مرتبطة بتوقيع عقود شراء طويلة الأجل وتطوير البنية التحتية ووضوح السياسات التنظيمية.
وبذلك، تقف صناعة الهيدروجين الأخضر في مصر أمام مرحلة حاسمة، عنوانها الانتقال من مذكرات التفاهم والاتفاقيات المبدئية إلى الاستثمارات الفعلية والإنتاج التجاري، وهو ما سيحدد قدرة البلاد على تحقيق مستهدفاتها واقتناص حصة مؤثرة من سوق الطاقة النظيفة عالمياً.