رغم تباطؤ التضخم.. لماذا لا يمكن للبنك المركزي المصري خفض أسعار الفائدة الآن؟
في الوقت الذي أظهرت فيه أحدث البيانات تباطؤًا نسبيًا في معدلات التضخم داخل مصر خلال مايو 2026، يتساءل كثيرون عن سبب عدم اتجاه البنك المركزي المصري إلى خفض أسعار الفائدة بشكل فوري لدعم الاستثمار وتحفيز النشاط الاقتصادي.
ورغم أن المؤشرات الأخيرة تعكس تحسنًا تدريجيًا في مسار الأسعار، فإن المشهد الاقتصادي لا يزال يحمل العديد من التحديات التي تدفع صناع السياسة النقدية إلى تبني نهج أكثر حذرًا قبل اتخاذ أي قرار جديد بشأن الفائدة.
وتشير البيانات الرسمية إلى تراجع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 14.6% خلال مايو 2026 مقابل 14.9% في أبريل، بينما استقر معدل التضخم الأساسي عند 13.8%.
تباطؤ التضخم لا يعني انتهاء الضغوط السعرية
ورغم انخفاض التضخم للثاني على التوالي، فإن المعدلات الحالية لا تزال مرتفعة مقارنة بالمستويات التي يستهدفها البنك المركزي على المدى المتوسط، كما أن التراجع المسجل حتى الآن يعد محدودًا نسبيًا ولا يعكس انتهاء المخاطر التضخمية بشكل كامل.
وتوضح بيانات البنك المركزي أن التضخم الأساسي، الذي يستبعد السلع الأكثر تقلبًا، استقر عند 13.8% خلال مايو، وهو ما يشير إلى استمرار الضغوط الكامنة داخل الاقتصاد رغم تباطؤ وتيرة ارتفاع الأسعار.
لذلك فإن أي خفض متسرع للفائدة قد يؤدي إلى زيادة الطلب المحلي بصورة تدفع الأسعار إلى الارتفاع مجددًا، وهو السيناريو الذي يحاول البنك المركزي تجنبه.
استقرار الجنيه أولوية رئيسية
وأحد أهم الأسباب التي تدفع البنك المركزي إلى التريث يتمثل في الحفاظ على استقرار سوق الصرف، فأسعار الفائدة المرتفعة تساعد على جذب الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين المحلية وتدعم الاحتفاظ بالجنيه المصري.
وفي حال تم خفض الفائدة بشكل مبكر، قد تتراجع جاذبية الأصول المقومة بالجنيه مقارنة بالأسواق المنافسة، ما قد يؤدي إلى خروج بعض التدفقات الأجنبية ويضع ضغوطًا إضافية على سعر الصرف.
ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه الأسواق العالمية تواجه حالة من عدم اليقين بسبب التوترات الجيوسياسية وتقلبات أسعار الطاقة والسلع الأساسية، وهي عوامل قد تؤثر بشكل مباشر على الاقتصادات الناشئة ومنها مصر.
البنك المركزي يفضل التأكد من استدامة تراجع التضخم
وعادة لا تعتمد البنوك المركزية على قراءة شهر واحد أو شهرين قبل تغيير اتجاه السياسة النقدية، بل تنتظر التأكد من أن مسار التراجع مستدام وليس مؤقتًا.
وقد شهدت مصر خلال الأشهر الماضية تحركات متباينة في التضخم، حيث سجل 15.2% في مارس قبل أن يتراجع إلى 14.9% في أبريل ثم 14.6% في مايو.
ورغم أن الاتجاه العام يبدو إيجابيًا، فإن البنك المركزي يحتاج إلى مزيد من البيانات للتأكد من استمرار الانخفاض خلال النصف الثاني من العام.

أسعار الطاقة والوقود ما زالت مصدر قلق
ومن بين العوامل التي تدفع إلى الحذر أيضًا احتمالات حدوث زيادات مستقبلية في أسعار الطاقة أو الخدمات الحكومية ضمن برامج الإصلاح الاقتصادي.
فأي تحركات جديدة في أسعار الوقود أو الكهرباء أو النقل قد تنعكس سريعًا على مستويات التضخم، وهو ما يجعل البنك المركزي حريصًا على الاحتفاظ بهامش أمان كافٍ في السياسة النقدية لمواجهة أي صدمات محتملة.
كما أن التطورات العالمية المتعلقة بأسعار النفط والشحن البحري لا تزال تمثل عاملًا مؤثرًا على تكاليف الإنتاج والاستيراد.
ماذا فعل البنك المركزي في آخر اجتماع؟
وخلال اجتماع لجنة السياسة النقدية في مايو 2026، قرر البنك المركزي المصري تثبيت أسعار الفائدة دون تغيير، حيث استقر سعر عائد الإيداع لليلة واحدة عند 19% وسعر الإقراض عند 20%، كما تؤكد البيانات الحالية استمرار هذه المستويات حتى منتصف يونيو 2026.
وجاء القرار متسقًا مع رؤية البنك المركزي التي تركز على ضمان استمرار تراجع التضخم قبل البدء في دورة تيسير نقدي جديدة.
متى يمكن أن يبدأ خفض أسعار الفائدة؟
ويرى عدد من المحللين أن الباب لا يزال مفتوحًا أمام خفض تدريجي للفائدة خلال النصف الثاني من 2026 إذا استمر التضخم في التراجع بصورة واضحة واستقرت الأسواق المالية وسعر الصرف، ولكن هذا السيناريو يرتبط بتحقق عدة شروط في مقدمتها:
- استمرار انخفاض التضخم لعدة أشهر متتالية.
- استقرار سوق الصرف وعدم تعرض الجنيه لضغوط جديدة.
- الحفاظ على تدفقات الاستثمار الأجنبي.
- عدم حدوث ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة أو السلع العالمية.
- استقرار الأوضاع الاقتصادية العالمية والإقليمية.
لماذا لا يمكن خفض الفائدة الآن؟
وتباطؤ التضخم وحده لا يكفي لاتخاذ قرار خفض الفائدة، فالبنك المركزي المصري ينظر إلى مجموعة واسعة من المؤشرات تشمل التضخم الأساسي، واستقرار الجنيه، وحركة الاستثمارات الأجنبية، والتطورات العالمية، وتوقعات الأسعار المستقبلية.
ورغم التحسن الملحوظ في بيانات مايو 2026، فإن مستويات التضخم الحالية ما زالت أعلى من المستهدف، ما يجعل التريث الخيار الأكثر أمانًا في الوقت الراهن.
ولذلك يبدو أن البنك المركزي سيواصل مراقبة البيانات الاقتصادية خلال الأشهر المقبلة قبل اتخاذ أي خطوة نحو خفض أسعار الفائدة، حفاظًا على استقرار الأسعار ودعم الثقة في الاقتصاد المصري على المدى المتوسط والطويل.