الدولار يجذب مدخرات المصريين.. 3 مليارات دولار إضافية في 6 أشهر
شهدت مدخرات المصريين بالعملات الأجنبية، وعلى رأسها الدولار الأمريكي، نموًا ملحوظًا خلال النصف الأول من عام 2026، في مؤشر يعكس تغيرًا في سلوك شريحة من العملاء تجاه أدوات الادخار، بالتزامن مع استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة وتحركات سعر الصرف، إلى جانب الزيادة القوية في تحويلات المصريين العاملين بالخارج.
وأظهرت بيانات البنك المركزي المصري ارتفاع إجمالي أرصدة الودائع غير الحكومية بالعملات الأجنبية لدى البنوك بنحو 3 مليارات دولار خلال أول 6 أشهر من العام الحالي، لتصل إلى نحو 66.2 مليار دولار بنهاية يونيو 2026، مقابل نحو 63.3 مليار دولار في نهاية ديسمبر 2025.
ويأتي هذا النمو في وقت أصبحت فيه المفاضلة بين الادخار بالجنيه المصري والادخار بالدولار أكثر ارتباطًا بعوامل متعددة، لا تقتصر على مستوى العائد المعلن على الشهادات والودائع، وإنما تشمل أيضًا معدل التضخم، وتوقعات سعر الصرف، واحتياجات العملاء المستقبلية من العملات الأجنبية.
مدخرات الأفراد تقود نمو الودائع الدولارية
وساهم نمو مدخرات الأفراد بالعملات الأجنبية بصورة رئيسية في زيادة أرصدة الودائع الدولارية لدى البنوك، مع توجه العملاء إلى أدوات ادخارية تتيح لهم الاحتفاظ بالدولار وتحقيق عائد في الوقت نفسه.
وتشير البيانات إلى ارتفاع أرصدة الشهادات والودائع لأجل بالعملات الأجنبية بأكثر من مليار دولار خلال الفترة نفسها، لتسجل نحو 34.8 مليار دولار بنهاية يونيو 2026.
ويعكس ذلك اهتمامًا متزايدًا بمنتجات الادخار الدولارية، خاصة الشهادات التي تقدمها البنوك المصرية بعوائد سنوية تقترب في بعض الحالات من 5%، وهو مستوى جذب شريحة من العملاء الباحثين عن الاحتفاظ بالعملة الأجنبية مع تحقيق عائد دوري.
ويرتبط هذا الاتجاه أيضًا بارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج، التي تمثل أحد أهم مصادر تدفق الدولار إلى الجهاز المصرفي المصري.
43.1 مليار دولار تحويلات المصريين بالخارج
وارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج بنسبة 31.2% خلال أول 11 شهرًا من السنة المالية 2025-2026، خلال الفترة من يوليو إلى مايو، لتصل إلى نحو 43.1 مليار دولار، مقابل 32.8 مليار دولار خلال الفترة المناظرة من السنة المالية السابقة.
ويعني نمو التحويلات زيادة تدفقات العملة الأجنبية إلى القطاع المصرفي، فضلًا عن توفير سيولة دولارية تساعد أصحاب هذه التحويلات على توجيه جزء من أموالهم إلى أوعية ادخارية بالدولار بدلًا من تحويلها بالكامل إلى الجنيه.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة للمصريين العاملين بالخارج، الذين قد تكون لديهم التزامات مستقبلية بالعملة الأجنبية، مثل مصروفات التعليم أو السفر أو العلاج، ما يجعل الاحتفاظ بجزء من المدخرات بالدولار خيارًا مرتبطًا بالاحتياجات المالية وليس فقط بالسعي وراء عائد أعلى.
التضخم وسعر الصرف يعززان جاذبية الدولار
ولا يرتبط الإقبال على الادخار الدولاري بمستوى الفائدة وحده، إذ تلعب توقعات العملاء بشأن القوة الشرائية للجنيه وتحركات سعر الصرف دورًا مهمًا في تحديد الوعاء الادخاري الأنسب.
وفي ظل استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة، ينظر بعض المدخرين إلى الدولار باعتباره وسيلة للتحوط من تراجع القوة الشرائية للجنيه، خاصة عندما تتزايد المخاوف بشأن ارتفاع الأسعار أو تحرك سعر العملة الأجنبية.
وتوضح مصادر مصرفية أن قرار العميل بين الادخار بالجنيه أو الدولار يعتمد في النهاية على مقارنة العائد المتوقع مع التضخم وتحركات سعر الصرف، إلى جانب طبيعة احتياجاته المالية.
وبالتالي، فإن العائد الدولاري البالغ نحو 5% لا يمكن تقييمه بمعزل عن حركة الدولار أمام الجنيه، كما أن العائد المرتفع على الأوعية بالجنيه لا يعني بالضرورة تحقيق عائد حقيقي مرتفع إذا التهم التضخم جزءًا كبيرًا من العائد.
الشهادات الدولارية تتصدر أدوات الادخار
وتأتي الشهادات الدولارية في مقدمة المنتجات التي تجذب العملاء الراغبين في الادخار بالعملة الأجنبية، خاصة مع تنوعها بين البنوك من حيث العائد، ومدة الشهادة، والحد الأدنى للشراء، ودورية صرف العائد.
وتصدرت شهادة البنك العربي الأفريقي الدولي الدولارية الثلاثية قائمة أعلى العوائد المشار إليها في المسح، بعائد سنوي يبلغ 4.85%، مع صرف العائد كل 3 أشهر، ويبدأ الحد الأدنى لشراء الشهادة من 5 آلاف دولار.
ويطرح بنك مصر شهادة «الثبات» بالدولار لمدة 3 سنوات بعائد سنوي يبلغ 4.77%، فيما يبدأ الحد الأدنى للشراء من 100 دولار.
كما يقدم البنك الأهلي المصري «الشهادة الذهبية» بالدولار لمدة 3 سنوات بعائد سنوي يصل إلى 4.75%، مع صرف العائد ربع سنوي، ويبدأ الحد الأدنى للشراء من 500 دولار.
ويقدم البنك الزراعي المصري شهادة دولارية لمدة 3 سنوات بعائد سنوي يبلغ 4.75%، يصرف كل 3 أشهر، بينما يطرح بيت التمويل الكويتي شهادة «الثروة» بالدولار لمدة 3 سنوات بعائد سنوي يصل إلى 4.6%، ويبدأ الحد الأدنى للشراء من 1000 دولار.
أما بنك القاهرة فيقدم شهادة «البريمو» الدولارية لمدة 3 سنوات، بحد أدنى 500 دولار ومضاعفاتها، مع اختلاف العائد وفق دورية الصرف؛ إذ يبلغ 3.50% سنويًا عند الصرف الشهري، و3.55% عند الصرف ربع السنوي، و3.60% عند الصرف نصف السنوي، و3.65% عند الصرف السنوي.
الدولار بين العائد والتحوط
ويكشف ارتفاع أرصدة الودائع بالعملات الأجنبية أن دوافع الاحتفاظ بالدولار أصبحت متعددة بين العملاء، فهناك من يبحث عن عائد على مدخراته، بينما يرى آخرون أن الاحتفاظ بالعملة الأجنبية يوفر قدرًا من الحماية أمام تحركات سعر الصرف.
كما توجد شريحة لديها التزامات مستقبلية بالدولار، ما يجعل الاحتفاظ بالعملة الأجنبية أكثر ملاءمة من تحويلها إلى الجنيه ثم إعادة شراء الدولار عند الحاجة.
والمقابل، لا يزال الجنيه المصري يحافظ على جاذبيته لدى شريحة من المدخرين، خصوصًا من يركزون على الحصول على عائد مرتفع بالعملة المحلية أو لديهم التزامات ونفقات داخل مصر.
ولا يشير ارتفاع المدخرات الدولارية بالضرورة إلى تحول كامل من الجنيه إلى الدولار، وإنما يعكس تنوعًا أكبر في قرارات المدخرين وتوزيع السيولة بين العملتين وفقًا للأهداف المالية وتوقعات التضخم وسعر الصرف.
3 مليارات دولار ترسم ملامح جديدة للادخار
ويمثل ارتفاع الودائع غير الحكومية بالعملات الأجنبية بنحو 3 مليارات دولار خلال 6 أشهر أحد أبرز المؤشرات على تنامي أهمية العملة الأجنبية داخل قرارات الادخار في مصر خلال 2026.
ومع وصول إجمالي الأرصدة إلى نحو 66.2 مليار دولار بنهاية يونيو، وارتفاع أرصدة الشهادات والودائع لأجل بأكثر من مليار دولار، بالتزامن مع قفزة تحويلات المصريين بالخارج إلى 43.1 مليار دولار، تبدو السوق المصرفية أمام خريطة ادخار أكثر تنوعًا.
وتظل الشهادات الدولارية إحدى الأدوات الرئيسية التي تستفيد من هذا الاتجاه، خاصة مع تقديم البنوك عوائد تقترب من 5% في بعض المنتجات.
وفي الوقت نفسه، يبقى اختيار العملة الأنسب للادخار مرتبطًا بظروف كل عميل، وحجم السيولة، واحتياجاته المستقبلية، وتوقعاته بشأن التضخم وسعر الصرف.
وبذلك، لا يقتصر صعود الدولار في سوق الادخار المصرية على البحث عن فائدة أعلى، بل يعكس أيضًا توجهًا متزايدًا نحو تنويع المدخرات والتحوط وإدارة المخاطر المالية في ظل المتغيرات الاقتصادية.