الهند والصين تلتهمان صادرات القطن المصري.. ماذا يحدث؟

القطن المصري
القطن المصري

أصبح القطن المصري أمام معادلة تصديرية جديدة مع بداية الموسم التسويقي 2026-2027، بعدما استحوذت الأسواق الآسيوية، وفي مقدمتها الهند والصين، على النسبة الأكبر من صادرات المحصول خلال الموسم الماضي، في وقت يتراجع فيه إجمالي المعروض المتاح محليًا مع انطلاق الموسم الجديد.

وتكشف بيانات الموسم التسويقي الماضي عن تصدير نحو 65 ألف طن من القطن المصري، استحوذت الهند على نحو 60% منها، بينما حصلت الصين على نحو 22%، وجاءت باكستان في المرتبة الثالثة بحصة تقارب 10%، بما يعني أن الأسواق الثلاثة شكلت الجزء الأكبر من الطلب الخارجي على القطن المصري.

الهند والصين في صدارة مشتري القطن المصري

وتعكس خريطة صادرات القطن المصري اعتمادًا واضحًا على أسواق صناعة الغزل والنسيج في آسيا، خاصة الهند والصين، وهما من أكبر مراكز الصناعات النسيجية عالميًا.

وتأتي الهند في مقدمة الأسواق المستقبلة للقطن المصري، وهو أمر يرتبط بقوة قطاع الغزل والنسيج الهندي واحتياجاته من الأقطان طويلة التيلة ذات الجودة المرتفعة، والتي تدخل في إنتاج منتجات نسيجية ذات قيمة مضافة.

أما الصين، فقد أصبحت خلال الفترة الأخيرة لاعبًا أكثر أهمية في سوق القطن المصري، بعدما ارتفعت مشترياتها بصورة ملحوظة.

وتشير بيانات متخصصة إلى أن التزامات شراء الصين من الأقطان المصرية طويلة وفائقة الطول بلغت 12.7 ألف طن في النصف الأول من موسم 2025-2026، مقابل 1.3 ألف طن فقط في الفترة المقابلة، لتصبح الصين والهند أكبر مشترين خلال تلك الفترة.

ولا يقتصر الأمر على القطن فقط، إذ أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن صادرات مصر إلى الصين ارتفعت بقوة خلال النصف الأول من 2026، بينما بلغت قيمة صادرات القطن والألياف النباتية إلى السوق الصينية نحو 76.4 مليون دولار خلال الفترة نفسها.

لماذا تزداد شهية الهند والصين للقطن المصري؟

ويرتبط جزء كبير من قوة الطلب الآسيوي بميزة القطن المصري نفسه، خاصة الأقطان طويلة التيلة وفائقة الطول التي تتمتع بخصائص مناسبة لإنتاج الخيوط والأقمشة عالية الجودة.

وتحتاج مصانع الغزل والنسيج في الأسواق الكبرى إلى خامات ذات جودة مرتفعة لإنتاج منتجات نهائية تستهدف شرائح سعرية أعلى، وهو ما يمنح القطن المصري ميزة تنافسية مقارنة بأنواع أخرى من القطن.

كما أن انخفاض أسعار القطن عالميًا خلال أجزاء من الموسم الماضي ساعد على تعزيز القدرة التنافسية للقطن المصري في الأسواق الخارجية، بالتزامن مع ارتفاع الكميات المصدرة.

وأظهرت بيانات السوق أن صادرات القطن المصري خلال موسم 2025-2026 ارتفعت بقوة مقارنة بالموسم السابق، مع بقاء الهند والصين وفيتنام وباكستان ضمن أبرز الوجهات.

صادرات قوية لكن المخزون المصري يتراجع

والمفارقة اللافتة أن قوة الطلب الخارجي على القطن المصري تأتي في الوقت الذي ينخفض فيه المعروض المتاح مع بداية الموسم الجديد.

وبحسب التقديرات الأولية، تراجع مخزون القطن المتاح في بداية موسم 2026-2027 إلى نحو 96 ألف طن، مقابل 107 آلاف طن في بداية الموسم السابق، بانخفاض يقارب 10%.

ويضم المعروض الجديد نحو 25 ألف طن من الرصيد المرحل من الموسم الماضي، إلى جانب إنتاج متوقع يبلغ نحو 71 ألف طن، ليصل إجمالي المعروض المتوقع إلى قرابة 96 ألف طن حتى أغسطس المقبل.

وهنا تظهر معادلة مهمة أمام السوق المصرية: فكلما ارتفعت قدرة المصدرين على تصريف القطن في الأسواق الخارجية، زاد الضغط على الكميات المتاحة للسوق المحلية والمغازل المصرية، خصوصًا في ظل محدودية الإنتاج المتوقع.

هل تتحول الهند والصين إلى نقطة قوة أم مخاطرة؟

ووجود طلب قوي من الهند والصين يمثل في الأساس نقطة قوة للقطن المصري، لأنه يوفر أسواقًا كبيرة قادرة على استيعاب كميات معتبرة من المحصول، ويعزز فرص تحقيق عائدات تصديرية أعلى.

ولكن في المقابل، فإن الاعتماد المرتفع على عدد محدود من الأسواق يفرض تحديًا أمام المصدرين وصناع القرار، خاصة إذا تغيرت ظروف الطلب أو الأسعار في إحدى تلك الأسواق.

وتظهر البيانات التاريخية أن الهند كانت بالفعل سوقًا رئيسية للقطن المصري، ففي 2024 استحوذت الهند على أكثر من 55 ألف طن من صادرات مصر من القطن غير الممشط أو الممشط، مقابل نحو 5.7 ألف طن للصين، وفق بيانات التجارة الدولية.

ولكن صعود الصين خلال الموسم الأخير يشير إلى تغير مهم في خريطة الطلب، ويمنح مصر فرصة لتنويع قاعدة المشترين بدل الاعتماد على سوق واحدة.

ماذا يعني ذلك لأسعار القطن المصري؟

وتأتي قوة الطلب الخارجي في توقيت حساس بالنسبة للأسعار المحلية، خصوصًا مع توقع انخفاض الإنتاج الجديد مقارنة بما يحتاجه السوق.

وتشير التقديرات الأولية إلى إنتاج نحو 1.3 إلى 1.4 مليون قنطار قطن زهر خلال الموسم الجديد، من مساحات زراعية تقترب من 203 آلاف فدان، مع إمكانية تغير الأرقام النهائية مع تقدم عمليات الجني.

وفي ظل هذه المعطيات، يمكن أن تستفيد الأسعار من ثلاثة عوامل رئيسية، هي تراجع الإنتاج المتوقع، واستقرار سعر الصرف، واستمرار النقص العالمي في الأقطان طويلة التيلة.

وتشير التوقعات إلى إمكانية ارتفاع سعر القطن بنحو ألف جنيه للقنطار مقارنة بمستويات الموسم الماضي، وإن كان من غير المرجح تكرار الارتفاعات الكبيرة التي شهدها السوق خلال الموسمين السابقين.

وكان متوسط سعر البيع في المزادات المحلية خلال الموسم الماضي قد بلغ نحو 9700 جنيه للقنطار من صنف جيزة 92، ونحو 9450 جنيهًا لجيزة 94، بينما سجلت أصناف جيزة 95 وجيزة 98 مستويات قرب 6750 جنيهًا للقنطار.

الصين والهند أمام اختبار الموسم الجديد

ومع بداية موسم 2026-2027، تبدو الهند والصين أمام دور أكبر في تحديد اتجاه صادرات القطن المصري، خاصة مع بدء عمليات جني المحصول في بعض محافظات الصعيد، واقتراب انطلاق منظومة المزادات.

ومن المتوقع أن يبدأ تنظيم المزادات خلال أكتوبر المقبل بعد صدور القرار السنوي الخاص بتشكيل اللجنة التنفيذية المسؤولة عن متابعة وتنظيم منظومة القطن المصري.

وبالتالي، لن يكون التحدي أمام مصر مجرد زيادة حجم الصادرات، وإنما تحقيق التوازن بين احتياجات الأسواق الخارجية واحتياجات المغازل المحلية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدرة القطن المصري على تحقيق سعر عادل للمزارع.

وتظل الهند والصين عنصرين أساسيين في هذه المعادلة، فاستمرار الطلب من أكبر أسواق الغزل والنسيج في آسيا يمكن أن يمنح القطن المصري دعمًا قويًا خلال الموسم الجديد، بينما يمثل تنويع الأسواق وتقوية الصناعة المحلية الطريق الأفضل لتعظيم القيمة الاقتصادية للمحصول بدل الاكتفاء بتصديره كخام.

تم نسخ الرابط