بعد استرداد استحقاقات تريليونية للشهادات.. كيف تغيرت خريطة الاستثمار في مصر؟
مع حلول فبراير 2026، يواجه الاقتصاد المصري تدفق سيولة هائلة ناتجة عن استحقاق شهادات الادخار ذات العوائد العالية، التي تجاوزت قيمتها التريليون جنيه.
وهذه الشهادات، التي أطلقتها بنوك رئيسية مثل البنك الأهلي وبنك مصر في يناير 2024 بعوائد بلغت 27% سنوياً أو 23.5% شهرياً، كانت درعاً للمدخرين أمام التضخم الذي بلغ ذروته عند 35%.
والآن، مع انتهاء مدتها، أطلقت سيولة تقدر بـ1.3 إلى 1.5 تريليون جنيه، مما أعاد تشكيل مشهد الاستثمار بشكل جذري.
ووفقاً لتقارير حديثة، أدى هذا التدفق إلى تعزيز المنافسة بين البنوك، ودفع المدخرين نحو خيارات أخرى مثل الذهب وأذون الخزانة، خاصة مع انخفاض التضخم إلى 12.3% في نوفمبر 2025 وتوقعات بانخفاضه إلى 8% هذا العام.
وفي ظل تراجع أسعار الفائدة، يتردد سؤال رئيسي بين المدخرين: أين تتجه هذه الأموال للحفاظ على قيمتها؟ وكيف يمكن للأفراد إعادة ترتيب محافظهم الاستثمارية؟، وهذا ما سنستعرضه في هذا التقرير، من سمارت فاينانس.
تدفق السيولة التريليوني.. كيف يعيد رسم السوق المالي؟
وانطلقت عملية الاسترداد في يناير 2026، حيث أعلن البنك الأهلي وبنك مصر عن إيداع القيمة الأساسية للشهادات في حسابات العملاء تدريجياً حتى أبريل، وهذه السيولة الضخمة، التي جمعتها البنوك لمواجهة التضخم في 2024، أثارت مخاوف من إعادة إشعال الأسعار إذا لم تُوظف بشكل مدروس.
وأفادت بيانات البنك المركزي بامتصاص 166.4 مليار جنيه سيولة للسيطرة على التدفقات، مما يبرز استراتيجية حذرة للحد من الضغوط التضخمية.
ومع ذلك، أدى ذلك إلى تصعيد التنافس بين البنوك، التي أطلقت شهادات جديدة بعوائد تصل إلى 22% في السنة الأولى، مثل "ابن مصر" في بنك مصر، ويرى محللون أن هذه الموجة غيرت ديناميكيات السوق، مع تراجع توافر الشهادات قصيرة الأجل وتحول التركيز نحو الاستثمارات الأطول أمداً.
تراجع عوائد الشهادات
ومع خفض البنك المركزي أسعار الفائدة بنسبة 7.25% خلال 2025، انخفضت عوائد الشهادات إلى 16-17.25%، مقارنة بـ27% سابقاً.
وفي البنك الأهلي، تراجعت الشهادة البلاتينية الثابتة إلى 16% شهرياً، بينما في بنك مصر، أصبحت "القمة" 16% أيضاً، وهذا التراجع أثر على استراتيجيات الادخار لدى الطبقة المتوسطة، التي اعتمدت على العوائد الشهرية لمواجهة ارتفاع التكاليف.
ومع ذلك، يؤكد خبراء مثل محمد عبد الهادي أن العائد الحقيقي ما زال إيجابياً بنسبة 5-8%، مما يحافظ على جاذبية الشهادات لمن يفضلون الاستقرار دون مخاطر.
صعود الذهب كملاذ آمن مع قفزات أسعار وطلب متزايد
ومع تراجع جاذبية الشهادات، جذب الذهب حصة كبيرة من السيولة، حيث ارتفع بنسبة 55% في 2025، مما أدى إلى قوائم انتظار للسبائك والعملات الذهبية.
وبلغ سعر الجرام عيار 21 نحو 6675 جنيهاً في فبراير 2026، مع توقعات بوصوله إلى 7000-8000 جنيه بنهاية العام، مدفوعاً بارتفاع عالمي يصل إلى 5700-6300 دولار للأونصة.
وأوضح هاني ميلاد، رئيس شعبة الذهب باتحاد الغرف التجارية، أن السيولة من الشهادات أشعلت الطلب على الذهب، حيث فضل بعض حاملي الـ27% توجيه أموالهم إليه بدلاً من التجديد بعوائد أقل، مضيفًا: "الذهب لم يكن المستفيد الوحيد، لكنه كان في الصدارة، يليه القطاع العقاري".
من جانبها، ترى راندا حامد، العضو المنتدب لشركة عكاظ للأوراق المالية، أن القفزات في أسعار الذهب، التي تجاوزت 60% في 2025 و10% في يناير 2026، جذبت المدخرين بحثاً عن سيولة سهلة ومنعدمة المخاطر، والذهب يحتفظ بقدراته الوقائية أمام تقلبات العملة.

أذون الخزانة البديل الأعلى عائداً مع مرونة أكبر
وبرزت أذون الخزانة كخيار مفضل بعوائد تصل إلى 24.175% لـ91 يوماً و23.685% لـ273 يوماً، تفوق الشهادات بنسبة 4%، مع ميزة الدفع الدوري والضمان الحكومي.
وأكد علي الإدريسي، خبير اقتصادي، أن تنويع المنتجات الذهبية من جرام واحد إلى سبائك كبيرة وسع شريحة المشترين، خاصة مع تراجع الفائدة من 30% إلى النصف.
وأضاف: "أذون الخزانة بديل ممتاز للشهادات، بعوائد أعلى وآجال أقصر"، مشيراً إلى توجه الأفراد مباشرة للشراء عبر البنوك.
والخبراء يرون أن فقدان الشهادات لجزء من جاذبيتها بعد انخفاض عوائدها بنحو 8% في المتوسط جعل أذون الخزانة الأكثر طلباً، مع عوائد 23.5-24.4% بعد خصم الضريبة، ولكن الشهادات ما زالت مناسبة لكبار السن وأصحاب المعاشات الذين يعتمدون على العوائد الشهرية.

الاقتصاد العام بين مكافحة التضخم وتعزيز النمو
وارتفعت مدخرات الأفراد إلى 7.07 تريليون جنيه، لكن البنك المركزي يستمر في امتصاص السيولة لمنع عودة التضخم.
ويعتقد مصطفى بدرة أن معظم الأموال ستعود إلى البنوك، لكن جزءاً قد يتجه إلى العقارات أو البورصة، دعماً للنمو إذا استثمر في القطاعات الإنتاجية، ومع استقرار الجنيه، يتوقع محللون تقدماً إيجابياً في قيمته خلال 2026، مدعوماً بعوائد حقيقية مرتفعة.
استراتيجيات الاستثمار في 2026
وحذر محمد فؤاد، خبير اقتصادي، من عدم عودة عوائد 27%، وينصح بالبدائل المرنة مثل أذون الخزانة أو الصناديق النقدية.
ويتفق الإدريسي مع حامد على أن التنويع هو السر، جزء في الذهب للحماية، وآخر في أدوات الدين للعائد المستقر، مع الاستفادة من شراء الأذون عبر شركات التداول لمرونة أكبر.
ويمثل 2026 فرصة لإعادة صياغة المحافظ الاستثمارية في مصر، مع التركيز على التنويع والحذر، ومع استمرار انخفاض التضخم، قد تحول هذه التغييرات الاقتصاد نحو تنافسية أكبر، لكنها تتطلب من المدخرين خططاً مدروسة لتجنب المخاطر.