الابتكار يقود الزراعة المصرية.. اعتمادات دولية ومركز بحوث من الأفضل عالميًا

مركز البحوث الزراعية
مركز البحوث الزراعية

في قلب دلتا النيل الخضراء، حيث يلتقي تاريخ آلاف السنين بالطموح نحو غدٍ مستدام، تكتب مصر اليوم فصلاً جديداً من فصول التحدي والإبداع، تخيل أن الأرض التي كانت تروى بنهر واحد، باتت الآن تروى بأفكار آلاف العقول المبدعة، وتحصد منها ليس فقط القمح والتمر، بل حلولاً تعيد تشكيل مفهوم الزراعة في عصر تغير المناخ.

وفي فبراير 2026، وتحديداً مع بداية الأسبوع الثاني من الشهر، يتردد صدى إنجاز تاريخي داخل أروقة مركز البحوث الزراعية بالقاهرة، ولأول مرة في تاريخ مصر، حصل معهد بحوث وقاية النباتات التابع للمركز على شهادة الاعتماد الدولي ISO 56001 لنظام إدارة الابتكار، ليصبح أول جهة بحثية وطنية تحقق هذا الاعتماد العالمي المرموق.

ولم يكن هذا مجرد ورقة رسمية، بل تتويجاً لسنوات من العمل الدؤوب، حيث تحولت الأفكار المخبرية إلى مبيدات حيوية آمنة، وبدائل صديقة للبيئة، وحلول تطبيقية تصل مباشرة إلى يد المزارع في أقاصي الوادي والدلتا والصحراء.

واللافت أن هذا الإنجاز جاء متزامناً مع إعلانات أخرى تبرز الصعود المصري في الساحة الدولية، فقد حصد المركز نفسه المركز الثاني إقليمياً (في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا) ضمن تصنيف سيماجو العالمي لعام 2025، وهو ما يعد شهادة اعتراف دولية بجودة الأبحاث وتأثيرها العملي.

وفي الوقت ذاته، تتصدر مصر قائمة الدول المنتجة للتمور عالمياً بإنتاج سنوي يقترب من مليوني طن، مدعومة بأكثر من 24 مليون نخلة، وخطط توسعية تركز على الأصناف عالية القيمة التصديرية.

وهذه ليست مصادفة، بل نتيجة رؤية متكاملة تقودها وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي تحت إشراف الوزير علاء فاروق، وبمتابعة حثيثة من الدكتور عادل عبد العظيم رئيس مركز البحوث الزراعية.

والابتكار هنا لم يعد رفاهية، بل أصبح سلاحاً استراتيجياً لمواجهة شح المياه، وارتفاع درجات الحرارة، وتزايد الطلب على الغذاء.

ومن تقنيات الري الدقيق في الأراضي الجديدة، إلى تطوير أصناف مقاومة للأمراض، وصولاً إلى استخدام النانوتكنولوجيا في إدارة أمراض النباتات، يعكس المركز كيف يمكن للبحث العلمي أن يحول التحديات إلى فرص.

مركز البحوث الزراعية جذور تاريخية وهيكل متين

وتأسس مركز البحوث الزراعية (ARC) في عام 1971 كجهاز بحثي رئيسي تابع لوزارة الزراعة، وهو اليوم أكبر مؤسسة بحثية زراعية في الشرق الأوسط وأفريقيا.

ويضم المركز أكثر من 16 معهداً بحثياً متخصصاً، مثل معهد بحوث المحاصيل الحقلية، ومعهد بحوث وقاية النباتات، ومعهد بحوث الصحة الحيوانية، بالإضافة إلى معامل مركزية متقدمة.

ويعمل فيه أكثر من 5000 باحث وعالم، يركزون على مجالات متنوعة تشمل تطوير الأصناف الزراعية، إدارة الموارد المائية، ومكافحة الآفات.

وتاريخياً، ساهم المركز في ثورات زراعية مثل تطوير أصناف القمح عالية الإنتاجية في السبعينيات، والتي ساعدت في تحقيق الاكتفاء الذاتي جزئياً.

واليوم، في 2026، يعتمد المركز استراتيجية تركز على الابتكار التكنولوجي، مدعومة بميزانية حكومية بلغت 17.5 مليار جنيه مصري لقطاع الزراعة والري في الخطة المالية 2025/2026، مع تخصيص جزء كبير للبحوث.

وهذا الهيكل المتكامل يجعل المركز ليس مجرد جهاز بحثي، بل شريكاً أساسياً في تنفيذ مشاريع التنمية الوطنية مثل مشروع الـ1.5 مليون فدان، واستصلاح الأراضي في سيناء والوادي الجديد.

مركز البحوث الزراعية
مركز البحوث الزراعية

الإنجازات الحديثة من المختبر إلى الحقل

وفي الأسبوع الأول من فبراير 2026 وحده، حقق المركز إنجازات ملموسة، كما ورد في تقريره الرسمي، على سبيل المثال، أجرى معهد بحوث الصحة الحيوانية فحوصات لـ35,603 عينة، وأنتج 1.5 مليون جرعة لقاحات، بينما نظم معهد بحوث المحاصيل الحقلية سيميناراً عن إنتاجية بنجر السكر تحت أنظمة الري المحوري، وأعد نشرة إرشادية لزراعة القطن لموسم 2026.

كما طور المركز أصناف أرز هجينة مقاومة للمناخ، ترفع الإنتاجية إلى 4 أطنان للفدان، مقارنة بـ2.4 طن سابقاً، مما يوفر المياه ويعزز التصدير.

وفي مجال الابتكار، يبرز دور المركز في مشاريع مثل استخدام الذكاء الاصطناعي والمراقبة بالأقمار الصناعية لإدارة الكثافة الزراعية، وتوسيع الزراعة الرأسية والمائية في المناطق الصحراوية، كما في مشروعات مرسى مطروح والساحل الشمالي.

وهذه الإنجازات ساهمت في رفع الصادرات الزراعية إلى 11.5 مليار دولار في 2025، مع توقعات بزيادة في المنتجات المصنعة لعام 2026.

الاعتمادات الدولية والريادة الإقليمية

وحصول المركز على ISO 56001 ليس إنجازاً منعزلاً، إنه يأتي بعد سلسلة من الاعتمادات، مثل تلك المتعلقة بإدارة الجودة في المعامل.

والدكتور عبد العظيم، رئيس المركز، أكد أن هذا الاعتماد يعكس قدرة المركز على تحويل البحوث إلى حلول عملية، مثل مبيدات حيوية تقلل الاعتماد على الكيماويات.

أما تصنيف سيماجو، فقد جاء نتيجة لأكثر من 22 دولة عربية مشاركة، حيث تقدم المركز من المركز الثالث سابقاً إلى الثاني، بفضل تأثير أبحاثه في التنمية المستدامة.

وهذه الريادة تفتح أبواب التعاون الدولي، كما في مشاريع مع منظمة ICARDA لتطوير أصناف الشعير والقمح في المناطق الجافة.

التأثير على الزراعة المصرية والمستقبل

ويترجم المركز إنجازاته إلى واقع ميداني من خلال برامج تدريبية، مثل دورة "Bioinformatics Fundamentals" في يناير 2026، التي شارك فيها باحثون من جامعات متعددة.

كما يدعم مشاريع ما بعد الحصاد لتمكين المجتمعات الريفية، مما يقلل الفاقد الزراعي ويزيد الدخل.

وفي ظل تغير المناخ، يركز المركز على زيادة إنتاجية الفدان بنسبة 5-10% عبر أصناف موفرة للمياه، وتوسيع الري الحديث إلى 10% من الأراضي.

وهذا يعزز الأمن الغذائي، خاصة مع نمو السكان، ويجعل مصر نموذجاً للزراعة المستدامة في أفريقيا، ففي زمن يبحث فيه العالم عن نماذج ناجحة للزراعة المستدامة، تقدم مصر نموذجاً حياً، يبرز مزيج من التراث العريق والتكنولوجيا المتقدمة، مدعوماً باعتمادات دولية تفتح أبواب التعاون العالمي.

وهنا في أرض الكنانة، لا يزرع المزارع محصولاً فحسب، بل يزرع مستقبلاً يضمن الأمن الغذائي لأجيال قادمة.

تم نسخ الرابط