25 دولة جديدة تغزوها الزراعة المصرية.. من الدلتا إلى رفوف العالم
في صباح يوم شتوي هادئ على أحد مزارع الدلتا، وقف مزارع عجوز يدعى عم حسين ينظر إلى شاحنة محملة بالبرتقال اللامع تبتعد ببطء نحو ميناء الإسكندرية، وكان يعرف أن تلك الصناديق لن تذهب إلى سوق القاهرة أو حتى إلى الخليج كالمعتاد، بل ستعبر محيطات لتصل إلى رفوف متاجر في فيتنام وجمهورية الدومينيكان وأوزبكستان، أماكن لم يسمع بها أجداده يومًا.
وفي عام شهد تحديات عالمية مثل اضطرابات سلاسل الإمداد والتغيرات المناخية، برزت وزارة الزراعة المصرية كقصة نجاح حقيقية، حيث نجحت في فتح 25 سوقًا تصديريًا جديدًا خلال 2025، لتصبح مصر لاعبًا رئيسيًا في الأسواق العالمية، حيث تجاوزت صادراتها الزراعية 9 ملايين طن، محققة عوائد بلغت 11.5 مليار دولار.
وهذا الإنجاز لم يأت صدفة، بل نتيجة جهود مكثفة جمعت بين الدبلوماسية الزراعية والابتكار التكنولوجي، مما سمح للمنتجات المصرية بالوصول إلى أرفف المتاجر في دول كانت تعتبر حكرًا على المنافسين التقليديين.
أرقام قياسية تروي القصة
وشهد عام 2025 قفزة نوعية في الصادرات الزراعية المصرية، حيث بلغ إجمالي الكميات المصدرة نحو 9.5 مليون طن، بزيادة قدرها 800 ألف طن عن العام السابق.
وهذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل تعكس تحولًا استراتيجيًا جعل الزراعة تمثل 24% من إجمالي صادرات الدولة، متفوقة على قطاعات أخرى في جذب العملة الصعبة.
ووفقًا لتقارير وزارة الزراعة، تم تصدير أكثر من 405 منتج زراعي إلى 167 دولة حول العالم، مع التركيز على المنتجات الطازجة التي تحظى بطلب متزايد في الأسواق الدولية.
ومن أبرز الإنجازات، تربع مصر على عرش تصدير البرتقال عالميًا للعام السادس على التوالي، مع صادرات موالح تجاوزت 2 مليون طن، كما ساهمت منتجات أخرى مثل البطاطس (1.3 مليون طن) والفاصوليا (336 ألف طن) في تعزيز هذا النمو.
وهذه الطفرة لم تكن ممكنة بدون دعم حكومي قوي، بما في ذلك مشاريع استصلاح الأراضي مثل "الدلتا الجديدة" و"مستقبل مصر"، التي زادت من الإنتاجية وفتحت آفاقًا جديدة للمزارعين.

الدبلوماسية الزراعية في المقدمة
وكان سر النجاح في فتح 25 سوقًا جديدًا يكمن في "الدبلوماسية الزراعية" النشطة، التي قادتها الإدارة المركزية للحجر الزراعي.
وتم تذليل التحديات اللوجستية والإجرائية من خلال فتح قنوات اتصال مباشرة مع سلطات الحجر الزراعي في الدول المستهدفة، مما أزال العوائق الفنية مثل مشكلات متبقيات المبيدات.
كما ساهمت الرقمنة الكاملة لخدمات الحجر الزراعي في تسريع الإجراءات، مع إصدار شهادات إلكترونية تضمن مطابقة الشحنات للمعايير الدولية.
ومن بين الدول الجديدة، برزت جمهورية الدومينيكان وأوزبكستان كأمثلة ناجحة، إلى جانب أسواق في شرق آسيا وأمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي.
وهذه التوسعات لم تكن عشوائية؛ فقد اعتمدت على نظام التكويد الذكي الذي يتتبع المنتج من الحقل إلى المستهلك، مما عزز الثقة في الجودة المصرية.
كما لعبت المعامل المرجعية دورًا حاسمًا في ضمان الالتزام بمعايير الصحة النباتية العالمية، مما ساعد في اختراق أسواق صارمة كانت مغلقة سابقًا.
وفي حديث للدكتور محمد المنسي، رئيس الحجر الزراعي، أكد أن هذه الجهود جاءت كرد على التحديات الجيوسياسية، مشيرًا إلى أن "المنتج المصري أصبح يغزو أسواقًا كانت حكرًا على دول أخرى، بفضل الابتكار والتعاون الدولي".

المنتجات الزراعية الرائدة من البرتقال إلى الفراولة
وتتنوع المنتجات المصرية التي غزت الأسواق الجديدة، مع التركيز على المحاصيل ذات القيمة العالية.
وتصدرت الموالح القائمة بـ2 مليون طن، تلتها البطاطس والفاصوليا الطازجة والجافة، كما شهدت الفراولة نموًا بنسبة 25% في مساحات الزراعة، مما جعلها مطلوبة في الأسواق الأوروبية خلال الشتاء.
أما الرمان والمانجو والعنب، فقد ساهمت في تنويع السلة التصديرية، مع صادرات بلغت 136 ألف طن للرمان و126 ألف طن للمانجو.
وهذه المنتجات لم تنجح بفضل الكميات فحسب، بل بجودتها العالية، مدعومة بـ17 صنفًا جديدًا استنبطه مركز البحوث الزراعية، مقاومة للآفات ومتكيفة مع التغيرات المناخية.
كما ساعدت مبادرات مثل توسيع "كارت الفلاح" على 8.3 مليون فدان في دعم المزارعين الصغار، مما زاد من الإنتاجية بنسبة 15% للفدان.

فرص عمل وأمن غذائي
وأدى هذا التوسع إلى تأثيرات اقتصادية عميقة، حيث ساهم في دعم ميزان المدفوعات وتوفير مئات الآلاف من فرص العمل في الريف، من خلال محطات التعبئة والنقل.
واجتماعيًا، حققت مصر اكتفاءً ذاتيًا كاملاً من بيض المائدة والألبان، و97% من اللحوم البيضاء، مع إنتاج 2.4 مليون طن من الدواجن.
كما ساهمت مبادرات ترشيد المياه، مثل زراعة 813 ألف فدان بنظام المصاطب، في مواجهة التحديات المناخية.في مشروع "إحياء البتلو"، تم تمويل أكثر من 45 ألف مربي بـ10 مليارات جنيه، مما أضاف 522 ألف رأس ماشية إلى الثروة الحيوانية.
وهذه الإنجازات تعزز الأمن الغذائي، مع خطط لزيادة الإنتاج إلى 3.7 تريليون جنيه في العام المالي 2025/2026.
الرؤية المستقبلية للزراعة المصرية
ورغم النجاحات، تواجه الزراعة تحديات مثل التغيرات المناخية والمنافسة الدولية، ولكن مع صعود مركز البحوث الزراعية إلى المرتبة الثانية في مؤشر "سيماجو"، ونشر 1450 بحثًا دوليًا، تبدو المستقبل واعدًا.
ويركز الخبراء على توسيع التصنيع الزراعي لزيادة القيمة المضافة، وفتح أسواق إضافية في أفريقيا وآسيا.
ويثبت نجاح الزراعة المصرية في 25 دولة جديدة أن الابتكار والتعاون يمكنان من تحويل التحديات إلى فرص، ومع استمرار هذه الجهود، قد تصبح مصر مركزًا عالميًا للأمن الغذائي، مساهمة في نمو اقتصادي مستدام.