ثورة الأخضر.. كيف تحولت حقول وزارة الزراعة إلى مدارس حية تغير مصير الفلاحين؟

الحقول الإرشادية
الحقول الإرشادية

في صباح يوم شتوي بارد على أطراف قرية في الدلتا، يقف المهندس الزراعي أمام مجموعة من الفلاحين، يشير بيده إلى سنابل القمح الخضراء المنتصبة، ويشرح بهدوء كيف يمكن لري قطرة واحدة إضافية أن تغير حسابات الموسم كله.

هذه ليست محاضرة في قاعة مكيفة، بل درس حي في قلب الحقل نفسه. هنا، في الحقول الإرشادية التي تديرها وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، تتحول الأرض إلى فصل دراسي مفتوح، والفلاحون طلاب يتعلمون باللمس والرؤية والتجربة المباشرة.

ومع إعلان وزارة الزراعة مؤخراً تجاوز المساحة المنزرعة بمحصول القمح 3.76 مليون فدان، أي أكثر من 260 ألف فدان فوق المستهدف، يبرز دور هذه الحقول الإرشادية كعامل رئيسي في الطفرة.

ولم يأت هذا الرقم من فراغ، فقد ساهم 19,874 حقل إرشادي رسمي، إلى جانب متابعة أكثر من 10 آلاف حقل آخر لدى المزارعين، في نقل الممارسات الحديثة مباشرة إلى أرض الواقع.

من 7 آلاف إلى 33 ألف حقل في عام واحد

وشهد عام 2025 نقلة نوعية في برنامج الحقول الإرشادية، حيث ارتفع عددها من 7 آلاف حقل في 2024 إلى أكثر من 33 ألف حقل بنهاية العام.

وهذا التوسع، الذي يمثل نمواً بنسبة 150%، جاء كجزء من استراتيجية وزارة الزراعة لتعزيز التنمية الزراعية المستدامة.

وأكدت وزارة الزراعة، إن هذه الحقول تعمل كمدارس تدريبية ميدانية تحت إشراف مهندسين وخبراء، لنقل أحدث التقنيات إلى المزارعين مباشرة في الحقول.

والتركيز كان على المحاصيل الاستراتيجية مثل القمح، حيث تم إنشاء نحو 33 ألف حقل إرشادي للقمح على مستوى الجمهورية، بمعدل 5 حقول في كل قرية تقريباً.

وهذا التوسع لم يكن عشوائياً، بل مدعوماً بـ13 حملة قومية للنهوض بالمحاصيل الرئيسية، بما في ذلك القمح والأرز والذرة.

ووفقاً لتقارير الوزارة، ساهم ذلك في زيادة إنتاجية فدان القمح من 19.3 أردباً إلى 20 أردباً، مما رفع الناتج القومي إلى قرابة 10 ملايين طن، وزاد توريد القمح بنحو 4 ملايين طن.

كما أدى إلى ترشيد استخدام المياه بنسبة 20% من خلال تقنيات مثل زراعة المصاطب، وتقليل التقاوي بنسبة 30%، مع التركيز على مكافحة الآفات والأمراض.

ندوات ومدارس حقلية مكثفة

ومع بداية عام 2026، استمرت الوزارة في تنفيذ أنشطة إرشادية مكثفة، خاصة خلال الأسبوع الثالث من يناير. 
ووفقاً لتقرير رسمي نشرته الوزارة، تم تنفيذ 448 ندوة إرشادية استفاد منها أكثر من 6700 مزارع، بالإضافة إلى 16 مدرسة حقلية ويوم حقل لمحصول القمح.

وشملت الأنشطة معاهد البحوث الزراعية المختلفة، مثل معهد بحوث المحاصيل الحقلية الذي نفذ ندوات ومدارس حقلية في محافظات كفر الشيخ، الإسكندرية، الشرقية، والغربية، ضمن الحملة القومية للنهوض بالقمح.

كما تم تنفيذ يوم حقل للقمح في مركز زفتى، وآخر للشعير في الإسماعيلية، بحضور قيادات الإرشاد وعدد كبير من المزارعين.

وركزت هذه الفعاليات على فوائد التقنيات الحديثة، مثل استخدام الأسمدة الحيوية واللقاحات البكتيرية، كما في ندوات معهد بحوث الأراضي والمياه التي غطت 20 مزارعاً في المنيا وبني سويف.

وأصدرت الإدارة المركزية للإرشاد نشرات متخصصة لمحصول القطن موسم 2026، مما يعكس التخطيط المسبق للمواسم القادمة.

الحقول الإرشادية
الحقول الإرشادية

مدارس حقلية في قنا تعزز الإنتاجية

وفي محافظة قنا، نظمت مديرية الزراعة فعاليات مدارس حقلية ميدانية لمزارعي القمح، تحت إشراف المهندس أبو العباس عبد الفتاح، وكيل الوزارة، وبحضور الدكتور خالد عبد الحليم، محافظ قنا.

وركزت هذه المدارس على رفع كفاءة الإنتاج وتعزيز الأمن الغذائي، من خلال تقديم إرشادات عملية حول أنظمة الري الحديثة، السماد المتوازن، وأصناف البذور المقاومة للتغيرات المناخية.

وتضمنت الفعاليات تدريبات مكثفة على اكتشاف الآفات والأمراض مبكراً، وتطبيق ممارسات زراعية جيدة مباشرة في الحقول.

واستفاد المزارعون من دعم فني مستمر، مما أدى إلى تحسين جودة المحصول وزيادة العائد المالي، حيث أعرب المشاركون عن رضاهم، مشيرين إلى أن هذه البرامج ساعدتهم في اكتساب مهارات جديدة، مثل استخدام تقنيات الزراعة المستدامة، التي تقلل الخسائر وتحافظ على الموارد.

وهذا النموذج يعكس كيف تحولت الحقول الإرشادية إلى جسور تواصل بين الخبراء والفلاحين، لنقل المعرفة العلمية إلى الواقع الميداني.

مستقبل يبدأ من الحقل

ولا تقتصر فوائد الحقول الإرشادية على زيادة الإنتاجية، بل تمتد إلى تحسين الظروف الاقتصادية للمزارعين وتعزيز الاستدامة البيئية.

وفي 2025، ساهمت في فتح 25 سوقاً جديداً للصادرات الزراعية، مما رفع حجم الصادرات إلى 8.8 مليون طن، وأكثر من 400 منتج زراعي يصل إلى 170 دولة.

كما حققت الاكتفاء الذاتي الكامل في بيض المائدة والألبان، و97% في اللحوم البيضاء.

وعلى المستوى الاجتماعي، ركزت البرامج على تمكين المرأة الريفية من خلال دورات تدريبية، ودعم صغار المزارعين في مواجهة التغيرات المناخية.

ومع استمرار النشاط في 2026، يتوقع خبراء أن يصل عدد الحقول إلى مستويات أعلى، خاصة مع تجاوز المستهدف في زراعة القمح بـ3.76 مليون فدان، مدعوماً بـ19,874 حقل إرشادي، وهذا يعزز من قدرة مصر على مواجهة التحديات العالمية، مثل نقص الغذاء.

وتثبت وزارة الزراعة برئاسة الدكتور علاء فاروق يومًا بعد يوم، أن الاستثمار في التعليم الميداني هو مفتاح التنمية الزراعية.

ومع الدعم المستمر من القيادة السياسية، وجهود وزارة الزراعة، أصبحت الحقول الإرشادية أداة لتحويل الفلاح المصري إلى شريك في بناء الأمن الغذائي.

تم نسخ الرابط