وزارة الزراعة تنقذ بحيرات مصر.. جهود حاسمة لإعادة الحياة إلى الثروة السمكية
على شاطئ الإسكندرية في صباح شتوي هادئ، يقف صياد عجوز يرمي شباكه في مياه البحر المتوسط، بينما على بعد كيلومترات قليلة في دلتا النيل، يراقب مهندس شاب أجهزة مراقبة في مزرعة استزراع سمكي حديثة تعمل بالطاقة الشمسية، مشهد يجمع بين تراث يعود لآلاف السنين وطموح ينظر إلى المستقبل، وهذا هو واقع الثروة السمكية في مصر اليوم، حيث تتحول البحيرات والمزارع والأنهار إلى خط دفاع أول عن الأمن الغذائي لأكثر من مائة مليون مواطن.
وفي السنوات الأخيرة، واجه القطاع تحديات قاسية: تلوث المياه، الصيد الجائر، ارتفاع تكاليف الأعلاف، والتغيرات المناخية التي تهدد توازن البيئة البحرية، ولكن وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي لم تكتف بالشكوى أو الانتظار، وبدلاً من ذلك، انطلقت في خطة طموحة تجمع بين الحفاظ على المخزون الطبيعي والتوسع الذكي في الإنتاج المستزرع، حتى أصبحت مصر الأولى أفريقياً في إنتاج الأسماك، وتقترب من الاكتفاء الذاتي بنسبة تصل إلى 93%.
وفي هذا التقرير، من سمارت فاينانس، نستعرض كيف تحافظ وزارة الزراعة بقيادة الدكتور علاء فاروق على الثروة السمكية في مصر؟.
الاقتراب من الاكتفاء الذاتي
وشهد عام 2025 طفرة في إنتاج الثروة السمكية، حيث بلغ الإنتاج السنوي نحو 2 مليون طن، مع مساهمة الاستزراع السمكي بنسبة 80% من الإجمالي.
وأكد الدكتور محمد سلامة، رئيس الإدارة المركزية للثروة السمكية، أن مصر اقتربت من الاكتفاء الذاتي بنسبة 93%، بفضل التوسع في المزارع السمكية التي تنتج 1.6 مليون طن سنويًا، إلى جانب 400 ألف طن من المصايد الطبيعية.
وفي خطة 2025/2026، تستهدف الوزارة زيادة الثروة السمكية بمليون رأس إضافية، مع التركيز على مشاريع مثل مزارع بركة غليون في كفر الشيخ وشرق التفريعة في بورسعيد، لتعزيز الإنتاج في بحيرات قارون والمنزلة والبرلس.
وهذه الجهود ليست مجرد أرقام، بل تعكس تحولًا استراتيجيًا نحو اقتصاد أزرق مستدام، حيث تم فتح أسواق جديدة في أوروبا بعد استيفاء معايير الجودة العالمية.

حماية المخزون السمكي في البحيرات والأنهار
ويعد الحفاظ على المخزون السمكي أولوية قصوى للوزارة، خاصة في ظل الضغوط البيئية مثل التغير المناخي، وفي 2025، أعلنت الوزارة عن منع الصيد خلال مواسم التكاثر، لإتاحة الفرصة للأسماك للتكاثر وتعزيز الاستدامة.
كما فرضت قيودًا صارمة على نقل الأسماك من بحيرة ناصر إلى المناطق الشمالية، لمنع انتشار الأمراض والحفاظ على التنوع البيولوجي.
وقد أدت حملات التفتيش المكثفة إلى إزالة آلاف الأمتار من الشباك غير القانونية في محميات مثل أشتوم الجميل في بورسعيد، مما ساهم في استعادة التوازن البيئي.
وفي السياق نفسه، أطلق جهاز حماية وتنمية البحيرات حملات مشتركة برية وبحرية لمكافحة الصيد الجائر، مع التركيز على بحيرات البرلس والمنزلة، التي شهدت زيادة في الإنتاج بنسبة ملحوظة بفضل هذه الإجراءات.
وقال اللواء الحسين فرحات، مدير الجهاز: "هذه الإجراءات ضمانة لاستدامة المورد الحيوي للأجيال القادمة".
شراكات لتعزيز الاستدامة والابتكار
وتعتمد استراتيجية الوزارة على الشراكات الدولية لنقل التكنولوجيا وتعزيز القدرات، ففي 2025، وقعت الوزارة مذكرة تفاهم مع وكالة التعاون اليابانية (JICA) لتحسين جودة المياه وزيادة إنتاجية الاستزراع السمكي.
كما تجددت استضافة مصر للمركز الدولي للأسماك لمدة 25 عامًا إضافية، مما يعزز دورها كمركز إقليمي للبحث في إدارة الموارد المائية.
وفي يونيو 2025، استعرض الوزير علاء فاروق جهود مصر أمام الاتحاد الأوروبي، مع الالتزام بالممارسات المستدامة لزيادة الإنتاج دون إضرار بالبيئة البحرية.
وبالإضافة إلى ذلك، استضافت مصر ورش عمل إقليمية لإدارة مصايد الأسماك في البحر المتوسط، مما يساهم في تبادل الخبرات مع الدول الأفريقية والأوروبية.
وهذه الشراكات لم تقتصر على التمويل، بل شملت برامج تدريبية لصغار الصيادين، كما في البرنامج الدولي بالإسماعيلية الذي نقل التجربة المصرية إلى دول أفريقية أخرى.

من الإنتاج إلى التصدير
وركزت الوزارة على تطوير البنية التحتية، حيث افتتح جهاز الثروة السمكية موسم الصيد في مزارع المنزلة والزاوية بكفر الشيخ، محققًا إنتاجًا يصل إلى 43 طنًا من 10 أفدنة فقط.
كما أعدت كراسة شروط لطرح مشاريع الاستزراع السمكي أمام المستثمرين، مع توقع وصول الإنتاج إلى 2.5 مليون طن بحلول 2025.
وفي يناير 2026، أجرت الوزارة ورشة تخطيط لمركز الطاقة المتجددة في الاستزراع السمكي، بالتعاون مع WorldFish، لتقليل التكاليف وتعزيز الاستدامة البيئية.
ومع إصدار 1,165 ترخيصًا لمشاريع الثروة السمكية في ديسمبر 2025، أصبح القطاع جاهزًا للتصدير، خاصة بعد تطبيق معايير الجودة العالمية التي سمحت بفتح أسواق أوروبية جديدة.
نحو اقتصاد أزرق مستدام
ورغم الإنجازات، تواجه الثروة السمكية تحديات مثل التلوث والصيد غير المشروع، لكن الوزارة تتعامل معها من خلال حملات توعية وتشديد الرقابة.
وفي 2026، تتوقع الوزارة زيادة الصادرات إلى 5 مليارات دولار، مع التركيز على الابتكارات مثل الاستزراع المكثف والطاقة المتجددة.
كما أكد الوزير فاروق دور مصر الرائد في أفريقيا، مع دعوات لتعزيز الاستثمار في التدريب والتكنولوجيا.
وتثبت هذه الجهود أن الحفاظ على الثروة السمكية ليس مجرد سياسة، بل استثمار في مستقبل مصر الغذائي والبيئي.