تحدى التكاليف.. لماذا ارتفعت أسعار العقارات في ظل الحرب؟
بالرغم من هدوء التوترات الإقليمية الناتجة عن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، يواجه سوق العقارات المصري أكبر تحدٍ منذ سنوات، ارتفاع أسعار الطاقة، قفزات الدولار، واضطراب سلاسل الإمداد، كلها عوامل كانت تتوقع أن تجمد السوق أو تخفض الأسعار.
ولكن الواقع على الأرض يروي قصة مختلفة تمامًا: أسعار العقارات ترتفع، والطلب يعود بقوة في بعض المناطق، كيف حدث ذلك؟ وهل يستمر هذا الارتفاع أم أنه مجرد رد فعل مؤقت؟، هذا ما نستعرضه في هذا التقرير، من سمارت فاينانس.
تأثير الحرب الإيرانية على تكاليف البناء في مصر
وبدأت التداعيات الاقتصادية للحرب تظهر بوضوح منذ أسابيع قليلة. ارتفعت أسعار المواد البترولية عالميًا، مما دفع تكلفة الوقود والشحن في مصر إلى مستويات غير مسبوقة.
ووفقًا لتصريحات خبراء في اتحاد المقاولين، زادت أسعار مواد البناء بنسبة تجاوزت 20% في بعض الحالات، خاصة الحديد والأسمنت، بينما قفزت تكاليف الشحن بنسبة تصل إلى 50% بسبب ارتفاع أقساط التأمين على السفن في منطقة الخليج.
وتراجع الجنيه المصري أمام الدولار بنحو 10% منذ بداية التصعيد أضاف ضغطًا إضافيًا، إذ تعتمد نحو 40% من مدخلات البناء على الاستيراد.
رئيس اتحاد المقاولين محمد سامي سعد أكد أن الشركات بدأت تطالب بتعويضات "قوة قاهرة" للمشاريع الجارية، وأن المطورين يلجأون إلى إعادة تسعير الوحدات الجديدة لتغطية الزيادات.
أسباب ارتفاع الأسعار رغم الضغوط الاقتصادية
والأمر الأكثر إثارة هو أن هذه الزيادات في التكاليف لم تؤدِ إلى انخفاض الطلب، بل إلى عكسه في كثير من الأحيان.
ويرى نائب رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين فتح الله فوزي أن السوق قد يشهد ارتفاعًا لا يقل عن 15% في أسعار العقارات إذا استمرت الحرب، وقد يصل إلى 20-25% في بعض المشاريع الجديدة.
والسبب الرئيسي هو "التحوط من التضخم"، ففي أوقات الاضطراب الجيوسياسي، ينظر إلى العقار كملاذ آمن، والمستثمرون – سواء محليون أو من الخارج – يهرعون لشراء الوحدات قبل أن ترتفع الأسعار أكثر، خوفًا من استمرار ارتفاع الدولار والطاقة.
كما أن المطورين يمررون الزيادات في التكاليف مباشرة إلى المشترين، خاصة في المشاريع قيد الإنشاء أو المستقبلية.

وتشير التقارير، إلى أن مبيعات أكبر 20 شركة عقارية تجاوزت 1.5 تريليون جنيه في 2025، بزيادة 10% عن العام السابق، رغم الركود السابق، والآن، مع الحرب، عاد الطلب بقوة في مناطق مثل التجمع الخامس والعاصمة الإدارية، حيث يبحث المشترون عن وحدات جاهزة أو شبه جاهزة.
الواقع على الأرض
وفي تصريحات متفرقة لوسائل إعلام متخصصة، أكد عدد من المطورين أن الزيادات الفعلية بدأت تظهر بالفعل بنسب تتراوح بين 5-10% في بعض المشاريع خلال الربع الأول من 2026، مع توقعات بمزيد من الارتفاع إذا طال أمد الصراع.
وأحمد أمين مسعود، رئيس مجلس إدارة شركة منصات للتطوير، أشار إلى أن التاريخ يعيد نفسه: التداعيات مشابهة لما حدث بعد الحرب الروسية-الأوكرانية، حيث ارتفعت التكاليف وارتفعت معها الأسعار.
من جهة أخرى، يحذر بعض الخبراء من أن الارتفاع قد يؤثر سلبًا على القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة، مما قد يبطئ المبيعات على المدى الطويل، ولكن في الوقت الحالي، يبدو أن "الطلب الاستثماري" يفوق الطلب السكني التقليدي.
التوقعات المستقبلية لسوق العقارات المصري في 2026
وإذا انتهت الحرب سريعًا، قد تعود الأسعار إلى الاستقرار التدريجي، أما إذا استمرت، فالتوقعات تشير إلى استمرار الضغط الصعودي على الأسعار، مع احتمال تقليص فترات التقسيط من قبل الشركات لتقليل المخاطر.
وفي الإمارات، يواجه القطاع تحديات مشابهة لكنه يحافظ على زخمه بفضل الطلب الخارجي، بينما في مصر يعتمد الأمر بشكل أكبر على الديناميكيات المحلية والإقليمية.
وخبراء اقتصاديون ينصحون المستثمرين بالتركيز على المشاريع ذات القيمة المضافة (مثل المجمعات السكنية المتكاملة) والمناطق الأكثر استقرارًا، مع مراعاة إمكانية زيادة التكاليف التشغيلية.
فرصة أم مخاطرة؟
وفي النهاية، يثبت سوق العقارات المصري مرة أخرى قدرته على "تحدي التكاليف"، فالحرب رفعت التكاليف، لكنها أيضًا أعادت الثقة في العقار كأصل يحمي من التضخم والتقلبات.
والمستثمر الذكي يرى في هذه اللحظة فرصة، بينما ينتظر الآخرون هدوء الوضع الإقليمي، ومع مرور كل يوم في أبريل 2026، تتغير المعادلة.
والسوق لم يعد ينتظر انخفاض التكاليف، بل يتكيف معها ويرفع الأسعار، والسؤال الوحيد المتبقي: هل سيستمر هذا الارتفاع حتى نهاية العام، أم أن هدوءًا إقليميًا مفاجئًا سيغير قواعد اللعبة.