الأموال الساخنة تضغط على الجنيه.. خروج 1.12 مليار دولار في ساعات | ماذا حدث؟
في تطور مفاجئ يلقي بظلاله على السوق المصرية، شهد الجنيه المصري تراجعًا ملحوظًا أمام الدولار الأمريكي، مدفوعًا بخروج كبير للأموال الساخنة من أدوات الدين الحكومي.
ووفقًا لبيانات البورصة المصرية، بلغ صافي المبيعات من قبل المستثمرين العرب والأجانب نحو 1.12 مليار دولار خلال ثلاثة أيام فقط، مما أثار مخاوف من عودة الضغوط على العملة المحلية.
وهذا الخروج السريع يأتي في ظل توترات جيوسياسية متصاعدة في المنطقة، ويذكرنا بأزمات سابقة واجهها الاقتصاد المصري.
وفي هذا التقرير، من سمارت فاينانس، نستعرض التفاصيل والأسباب والتأثيرات، وكيف خرجت تلك الأموال؟.
ما هي الأموال الساخنة ودورها في الاقتصاد المصري؟
الأموال الساخنة، أو الاستثمارات قصيرة الأجل في أدوات الدين مثل أذون الخزانة وسندات الحكومة، تمثل تدفقات رأس المال الأجنبي التي تتحرك بسرعة كبيرة بحثًا عن عوائد مرتفعة.
وهذه الأموال حساسة للغاية للتغيرات في أسعار الفائدة العالمية والمخاطر الجيوسياسية، مما يجعلها عرضة للخروج المفاجئ.
وفي مصر، اعتمد الاقتصاد على هذه التدفقات لتعزيز الاحتياطي النقدي الأجنبي، خاصة بعد تحرير سعر الصرف في 2016، ومع ذلك، أدت هذه الاعتمادية إلى تقلبات متكررة، كما حدث في 2018 عند خروج 15 مليار دولار، وفي 2020 مع جائحة كورونا بخروج 20 مليار دولار، ومرة أخرى في 2022 مع الحرب الروسية الأوكرانية بخسائر بلغت 22 مليار دولار.
وهذه الأموال تساهم في تمويل العجز المالي، لكن خروجها يؤدي إلى ضغط فوري على الجنيه، مما يرفع تكلفة الاستيراد ويؤثر على التضخم.
والخبراء يرون أن الاعتماد عليها يشبه "السكين ذو الحدين"، حيث توفر سيولة سريعة لكنها تخلق عدم استقرار.
تفاصيل الخروج الأخير.. 1.12 مليار دولار في ثلاثة أيام
وبدأت الضغوط في الأسبوع المنتهي في 24 فبراير 2026، حيث سجلت مبيعات العرب والأجانب في السوق الثانوية للدين الحكومي 1.12 مليار دولار، وفي يوم واحد فقط، بلغ صافي البيع نحو 675 مليون دولار، مع تركيز على أذون الخزانة.
وهذا الخروج السريع أدى إلى تراجع الجنيه، الذي فقد جميع مكاسبه منذ بداية العام، ليصل سعر الدولار إلى قرابة 48 جنيهًا في ختام تعاملات 24 فبراير، مقارنة بـ46.8 جنيه في 15 فبراير.
والبيانات تشير إلى أن الأجانب كانوا الأكثر بيعًا بـ650.5 مليون دولار، بينما ساهم العرب بـ24.6 مليون دولار، وهذا التحرك يعكس زيادة في حجم التداولات بين البنوك بنسبة 110%، مما يشير إلى طلب حقيقي على الدولار لتغطية هذه الخروجات.

الأسباب الرئيسية وراء الضغط على الجنيه
ولا يقتصر التراجع على خروج الأموال الساخنة وحدها، بل يتداخل مع عوامل أخرى، أولاً، التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، خاصة مخاوف من تصعيد أمريكي-إيراني، دفعت المستثمرين إلى الانسحاب نحو الأصول الآمنة مثل الدولار الأمريكي وسندات الخزانة.
ثانيًا، العوامل الموسمية مثل اقتراب شهر رمضان، الذي يزيد الطلب على الواردات الاستهلاكية والعمرة، مما يرفع الضغط على السيولة الدولارية.
كما أن ارتفاع أسعار النفط العالمية وتقلبات الأسواق المالية العالمية ساهما في تعزيز الطلب على الدولار، في حين أن الخبراء يؤكدون أن هذا الخروج متوقع بسبب طبيعة الأموال الساخنة.
التأثيرات على الاقتصاد المصري وسعر الصرف
أدى هذا الخروج إلى تراجع الجنيه بنحو 76 قرشًا خلال أسبوع، ليصل إلى 47.88 جنيه للبيع.
وهذا التراجع يرفع تكلفة الاستيراد، مما قد يؤدي إلى زيادة التضخم، خاصة في السلع الأساسية، كما يؤثر على الاحتياطي النقدي، الذي كان قد تعافى جزئيًا في السنوات الأخيرة بفضل اتفاقيات مع صندوق النقد الدولي.
من ناحية أخرى، قد يشجع هذا التراجع على زيادة التصدير، لكنه يزيد من عبء الديون الخارجية، وفي سياق أوسع، يعكس الحدث حساسية الاقتصادات الناشئة للاضطرابات العالمية، حيث ينتقل المستثمرون إلى الأسواق الأكثر أمانًا.
هل هي أزمة جديدة أم تقلب مؤقت؟
ويرى الدكتور مدحت نافع، خبير اقتصادي، أن التراجع طبيعي في نظام سعر صرف مرن، ولا يرتبط فقط بالأموال الساخنة بل بالموسمية أيضًا، مشيرًا إلى أن خروج 1.7 مليار دولار في أبريل 2025 لم يؤثر كثيرًا بفضل تدفقات سابقة بلغت 10.7 مليار دولار.
وبينما يحذر آخرون من أن هذا قد يشير إلى أزمة دولارية جديدة إذا استمر التوتر الجيوسياسي، فهناك محللون ينصحون بتعزيز الاستثمارات الأجنبية المباشرة بدلاً من الاعتماد على الأموال الساخنة، حيث زادت هذه الاستثمارات بنسبة 12.1% في السنوات الماضية، مما يوفر استقرارًا أكبر.
الإجراءات المحتملة والنظرة المستقبلية
ومن المتوقع أن يتدخل البنك المركزي المصري لتهدئة السوق، عن طريق ضخ سيولة دولارية، والحكومة قد تسعى لجذب تدفقات جديدة من خلال تحسين البيئة الاستثمارية.
ومع ذلك، إذا استمرت التوترات الإقليمية، قد يواجه الجنيه ضغوطًا إضافية، في حين يبرز هذا الحدث أهمية تنويع مصادر التمويل وتعزيز الاحتياطيات لمواجهة التقلبات.