الحرب تغير موازين سعر الدولار في مصر.. ما الذي جنيناه من الهدنة؟

الدولار والجنيه المصري
الدولار والجنيه المصري

في غضون أسابيع قليلة، تحول سعر الدولار من حالة استقرار نسبي إلى قفزات دراماتيكية، ثم عاد ليهدأ جزئياً بعد اتفاق الهدنة الأخير، والحرب التي اندلعت في 28 فبراير 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى لم تكن مجرد صراع إقليمي بعيد، بل ألقت بظلالها الثقيلة مباشرة على الاقتصاد المصري، وأعادت رسم خريطة سوق الصرف بأكملها.

فما الذي حدث فعلاً، وهل كانت الهدنة كافية لتعيد التوازن الذي فقدناه؟، هذا ما نستعرضه في هذا التقرير، من سمارت فاينانس.

من الاستقرار إلى الذروة

وقبل اندلاع الحرب، كان سعر الدولار يتداول في البنوك المصرية حول مستويات 46-48 جنيهاً تقريباً، مدعوماً بتدفقات الاستثمار الأجنبي قصير الأجل وشرائح صندوق النقد الدولي، ولكن مع تصاعد التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار النفط العالمية، تغيرت المعادلة جذرياً.

وبحلول أوائل مارس 2026، تجاوز الدولار حاجز الـ52 جنيهاً لأول مرة، ثم اقترب من 54-55 جنيهاً في نهاية الشهر نفسه.

والسبب ليس سراً، فالمستثمرون الأجانب بدأوا في سحب أموالهم الساخنة بحثاً عن الملاذ الآمن (الدولار)، فيما ارتفع الطلب المحلي على العملة الصعبة لتغطية فاتورة الواردات والديون.

وأضف إلى ذلك ارتفاع تكاليف استيراد البترول، الذي دفع الحكومة لرفع أسعار الوقود، مما أشعل التضخم من جديد، وخبراء اقتصاديون يصفون تلك الفترة بـ«الأسوأ أداءً للجنيه المصري عالمياً» خلال الأسابيع الأولى من الحرب، حيث خسر أكثر من 12% من قيمته في فترة قصيرة.

شرارة الارتياح أم مجرد تنفس مؤقت؟

ومع إعلان اتفاق وقف إطلاق النار بين الطرفين قبل أيام قليلة، بدأت الأسواق تتنفس الصعداء، واليوم الأحد 12 أبريل 2026، يستقر سعر الدولار في البنك الأهلي المصري عند 53.09 جنيه للشراء و53.19 جنيه للبيع، وفي بنك مصر بنفس المستويات تقريباً، ولكن لم تأت الرياح بما تشتهى السفن حيث فشلت المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في باكستان لتترك الأسواق في حالة من عدم اليقين.

والتراجع الحاد، الذي تجاوز 1-2 جنيه في بعض الأيام جاء مدعوماً بانخفاض علاوة المخاطر الجيوسياسية وعودة جزئية لتدفقات رأس المال.

ولكن السؤال الجوهري: ما الذي جنيناه فعلياً من هذه الهدنة؟، أولاً انخفاض فوري في الضغط على الاحتياطي النقدي. خلال أسابيع الحرب، زاد الطلب على الدولار لتغطية واردات الطاقة والسلع الأساسية، مما هدد بتآكل الاحتياطي.

الاقتصاد المصري
الاقتصاد المصري

والهدنة خففت هذا الضغط، وسمحت للبنك المركزي بالحفاظ على سياساته النقدية دون رفع فائدة إضافي يثقل كاهل الاقتصاد.

وثانياً تهدئة التضخم واستقرار أسعار السلع، وارتفاع أسعار النفط كان أحد أكبر المهددات، فمع تراجع المخاطر، من المتوقع أن تنخفض تكاليف الاستيراد تدريجياً، وهو ما ينعكس إيجاباً على أسعار البنزين والمواصلات والسلع الغذائية.

وخبراء مصرفيون مثل محمد عبد العال يرون أن «الهدنة أعادت بعض الثقة، لكن التعافي الكامل يحتاج شهوراً».

وثالثاً، دعم غير مباشر لقناة السويس والسياحة، ورغم أن الأزمة الأساسية كانت مرتبطة بالحرب على إيران، إلا أن الاستقرار الإقليمي يساعد في تعزيز حركة الملاحة بعد تعافي جزئي من أزمة البحر الأحمر السابقة.

وإيرادات القناة بدأت بالفعل في الانتعاش منذ نهاية 2025، والهدنة تعزز التوقعات بالعودة إلى مستويات ما قبل الأزمات في 2026.

تفاؤل حذر مع تحذيرات

وأكد الخبراء أن الهدنة خفضت علاوة المخاطر بنسبة ملموسة، لكن الاقتصاد المصري لا يزال يعاني، من الاعتماد على الاستيراد، والديون الخارجية، والحاجة لمزيد من الإصلاحات، وبنك «مورغان ستانلي» سبق وتوقع سيناريوهات مختلفة، أفضلها بعد حل دبلوماسي انخفاض الدولار بنسبة 4-5%.

وومع ذلك، يحذر آخرون من أن أي تصعيد جديد – حتى لو محدود – قد يعيد الدولار إلى الارتفاع السريع.

التحديات المتبقية أمام الاقتصاد المصري

ورغم الإيجابيات، لا يزال الطريق طويلاً، فالتضخم الذي ارتفع بسبب رفع أسعار الطاقة في مارس لا يزال يؤثر على القدرة الشرائية للمواطن.

كما أن الإنفاق العسكري والدعم الاجتماعي يضغطان على الموازنة. الحكومة حددت سعر الدولار في الموازنة الجديدة عند 47 جنيهاً كتقدير استرشادي، لكن الواقع يفرض أرقاماً أعلى.

والهدنة لم تكن معجزة، لكنها أعادت بعض التوازن إلى سوق الصرف وأنقذت الجنيه من سيناريو أسوأ، وجنينا منها استقراراً نسبياً في الأسعار، وانخفاضاً في الضغوط على الاحتياطي، وأملاً في تعافي القطاعات الحيوية مثل الملاحة والسياحة. 

تم نسخ الرابط