رغم الأزمات.. المؤسسات الدولية تتغنى بقدرة الاقتصاد المصري خلال الحرب

الاقتصاد المصري
الاقتصاد المصري

وسط نيران الحروب الإقليمية التي امتدت من غزة إلى البحر الأحمر ووصلت إلى مواجهات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، يواصل الاقتصاد المصري صموده بثبات يثير إعجاب المؤسسات الدولية، ولم تعد الأزمات الخارجية مجرد تحديات، بل أصبحت اختباراً حقيقياً للإصلاحات التي نفذتها الحكومة على مدى السنوات الماضية.

وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وبنك التنمية الأفريقي، كلهم يصفون الاقتصاد المصري اليوم بـ "المرن" و"القادر على احتواء الصدمات".

وفي هذا التقرير، من سمارت فاينانس، نستعرض ما الذي جعل مصر تتجاوز خسائر قناة السويس التي تجاوزت 10 مليارات دولار، وتبقى على مسار نمو يتجاوز التوقعات؟.

التداعيات محصورة نسبياً بفضل مرونة سعر الصرف

وفي تصريحات حديثة أدلت بها المتحدثة الرسمية لصندوق النقد الدولي جولي كوزاك أول أمس، أكدت المنظمة أن مصر نجحت في "احتواء نسبي" التداعيات الاقتصادية للحرب على إيران.

وقالت كوزاك إن الإجراءات "الاستباقية والمنسقة" التي اتخذتها السلطات المصرية، معتمدة على مرونة سعر الصرف، سمحت للجنيه بامتصاص الصدمات الخارجية دون أن ينهار الاحتياطي الأجنبي.

ولم يقف الأمر عند المديح، ففي فبراير 2026، أكمل مجلس إدارة الصندوق المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج التسهيل الممدد، والمراجعة الأولى لتسهيل المرونة والاستدامة، مما سمح لمصر بسحب 2.3 مليار دولار فوراً (2 مليار من التسهيل الممدد و273 مليون من تسهيل الاستدامة).

وبذلك ارتفع إجمالي ما حصلت عليه مصر من البرنامجين إلى أكثر من 5.2 مليار دولار. وأشارت الوثيقة الرسمية إلى أن النمو الاقتصادي بلغ 4.4% في السنة المالية 2024/2025، والتضخم انخفض إلى 11.9% في يناير 2026، والعجز الحسابي الجاري تقلص إلى 4.2% من الناتج المحلي الإجمالي.

4.7% نمواً هذا العام و5.4% العام المقبل

وفي تحديث تقريره لآفاق الاقتصاد العالمي الصادر في يناير 2026، رفع صندوق النقد توقعاته لنمو الاقتصاد المصري في السنة المالية 2025/2026 إلى 4.7% بدلاً من 4.5% السابقة، متوقعاً أن يرتفع إلى 5.4% في 2026/2027.

وهذه هي المراجعة الثانية صعوداً خلال ثلاثة أشهر فقط. أما نمو منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى فيتوقع الصندوق أن يصل إلى 3.9% في 2026.

الحرب
الحرب

الشراكة مستمرة والإصلاحات فعالة

ولم تكن شهادة صندوق النقد وحدها، ففي لقائه مع الرئيس عبد الفتاح السيسي مطلع مارس 2026، أعرب رئيس البنك الدولي أجاي بانجا عن تقديره للإصلاحات المصرية في مجالات الحماية الاجتماعية والصحة والأمن الغذائي والتكيف مع المناخ.

وأكد بانجا أن الشراكة الاستراتيجية بين مصر والبنك "تدعم النمو المستدام"، كما أشار الرئيس السيسي في اللقاء نفسه إلى الخسائر البالغة 10 مليارات دولار في إيرادات قناة السويس بسبب التوترات الإقليمية، لكنه شدد على أن الإجراءات الحكومية نجحت في احتواء الأثر.

أما بنك التنمية الأفريقي، فقد واصل دعمه بتمويل جديد قدره 170 مليون دولار في يناير 2026 للمرحلة الثانية من برنامج تطوير القطاع الخاص وتنويع الاقتصاد.

ويصف التقرير السنوي للبنك الاقتصاد المصري بأنه "في سياق أكثر إيجابية" مع توقعات نمو تصل إلى 4.5% في 2024/2025 وما بعدها، مدعوماً بالاستثمارات الخليجية وبرامج الإصلاح.

نمو حقيقي على الأرض

والأرقام لا تكذب، حيث أعلنت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نما بنسبة 5.3% في الربع الأول من السنة المالية 2025/2026، مقابل 3.5% في الربع المقابل من العام السابق.

وهذا هو أعلى معدل ربع سنوي منذ أكثر من ثلاث سنوات. قاد القطاع غير النفطي النمو، خاصة الصناعات التحويلية (14.5%)، تكنولوجيا المعلومات والاتصالات (14.5%)، والسياحة (13.8%)، وحتى قناة السويس سجلت نمواً إيجابياً بنسبة 8.6% لأول مرة منذ 18 شهراً، مع عودة بعض خطوط الشحن.

قناة السويس الجرح الأعمق ولكن التعافي بدأ

ورغم الخسائر التراكمية التي تجاوزت 10 مليارات دولار، بدأت إيرادات القناة في الانتعاش التدريجي. انخفضت الإيرادات بنسبة 45.5% في 2024/2025، لكن الربع الأول من 2025/2026 شهد تحسناً ملحوظاً.

ويعزو الخبراء ذلك إلى عودة بعض الشركات للطريق الأقصر، وإلى الاستقرار النسبي في البحر الأحمر، ومع ذلك، يظل الخطر قائماً، وهو ما يجعل التنويع الاقتصادي والاعتماد على الصادرات غير النفطية أولوية استراتيجية.

الاحتياطيات تتجاوز 52 مليار دولار.

وبلغ صافي الاحتياطيات الأجنبية 52.6 مليار دولار في يناير 2026 (حوالي 6.5 أشهر من الواردات)، مدعوماً بصفقات رأس الحكمة (35 مليار دولار) والاستثمارات القطرية والأوروبية.

ونجحت مصر في إصدار سندات دولية بفوائد أقل، مما يعكس ثقة المستثمرين، حيث يؤكد صندوق النقد أن الانتقال إلى نموذج نمو يقوده القطاع الخاص، مدعوماً ببرنامج "السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية"، سيرفع النمو إلى مستويات أعلى في السنوات المقبلة.

نمو مستدام رغم المخاطر

ويتفق الجميع على أن المخاطر لا تزال موجودة: تصعيد جيوسياسي، ارتفاع أسعار الطاقة، أو تباطؤ التجارة العالمية، ولكن الإصلاحات – مرونة الصرف، خفض الدعم التدريجي، توسيع قاعدة الضرائب، وتحسين مناخ الأعمال – جعلت مصر أكثر قدرة على الصمود من أي وقت مضى.

ويتوقع البنك الدولي أن يرتفع النمو إلى 4.6% بحلول 2026/2027، بينما يرى صندوق النقد إمكانية تجاوز 5% إذا استمرت الإصلاحات وعاد الاستقرار الإقليمي.

مصر نموذج الصمود في زمن الاضطرابات

وفي وقت يعاني فيه العالم من حروب وأزمات متتالية، يقدم الاقتصاد المصري درساً في المرونة، لم يعد الحديث عن "النجاة من الأزمة"، بل عن "النمو رغم الحرب".

والمؤسسات الدولية لا تتغنى بالأرقام وحدها، بل بقدرة الشعب المصري والقيادة على تحويل التحديات إلى فرص، ووالرهان اليوم على استمرار هذا الصمود، ليصبح الاقتصاد المصري في 2030 ليس مجرد ناجٍ من الأزمات، بل قائداً للنمو في المنطقة بأسرها.

تم نسخ الرابط