لماذا تتفاوت أسعار الألبان في مصر؟.. والسر وراء تغيير هيكل السوق
في ظل التحديات الاقتصادية والمناخية التي تواجه قطاع الزراعة والصناعات الغذائية في مصر، يبرز سوق الألبان كأحد أبرز القطاعات المتأثرة بتقلبات الأسعار وتغييرات الهيكل الإنتاجي، ومع بداية عام 2026، شهد السوق تحولات ملحوظة في هيكله، مدفوعة بجهود حكومية لتحقيق الاكتفاء الذاتي وزيادة الصادرات، بينما تظل أسعار الألبان متفاوتة بشكل كبير، تتراوح بين 17 و55 جنيهًا للكيلوجرام حسب المناطق والجودة.
وفي هذا التقرير، من سمارت فاينانس، نستعرض أسباب هذا التفاوت، ونكشف عن أسرار التغييرات في هيكل السوق، حيث يسود استقرار نسبي مع انخفاض موسمي في الأسعار.
أسباب تفاوت أسعار الألبان في مصر
ويعد تفاوت أسعار الألبان في مصر ظاهرة متعددة الأبعاد، تعكس عوامل إنتاجية واقتصادية وجغرافية، ففي المناطق الريفية، يتراوح سعر الكيلوجرام من الحليب السائب بين 17 و25 جنيهًا، بينما يصل في المناطق الحضرية إلى 27-35 جنيهًا، وقد يتجاوز 55 جنيهًا في بعض الأماكن بسبب تكاليف النقل والتوزيع.
وهذا التفاوت يرجع أساسًا إلى الجودة، حيث يختلف الحليب حسب نسبة الدسم، المصدر (بقري أو جاموسي)، والممارسات غير المنظمة مثل خلط الحليب البقري (الأرخص والأقل كثافة) مع الجاموسي (أعلى دهونًا بنسبة 7-9% مقابل 3-4%) أو تخفيفه بالماء لزيادة الربح.
كما يلعب الطلب والعرض الإقليمي دورًا، إذ يغلب الحليب البقري على المصانع لإنتاج الجبن، بينما يسيطر الجاموسي على المبيعات السائبة.
وفي يناير 2026، سجلت الأسعار استقرارًا عامًا، مع تراجع في الحليب السائب إلى 34 جنيهًا للكيلو، والمعبأ إلى 44 جنيهًا، مقارنة بزيادات سابقة في 2025 بلغت 12.5% بسبب موجة الحر التي أدت إلى انخفاض الإنتاج.
ومع ذلك، يظل التفاوت موجودًا بسبب عوامل مثل مصدر المنتج، جودته، وتكلفة النقل، حيث قد تشهد بعض الأسواق أسعارًا أعلى بناءً على هذه العناصر.
العوامل الموسمية والاقتصادية المؤثرة على الأسعار
وتلعب العوامل الموسمية دورًا حاسمًا في تقلبات الأسعار. خلال الشتاء، يزداد إنتاج الألبان بنسبة 30% مقارنة بالصيف، مما يؤدي إلى انخفاض الأسعار بنسبة 10-15%.
وأسباب ذلك تشمل اعتدال درجات الحرارة الذي يقلل الإجهاد الحراري على الحيوانات، وفرة العلف الأخضر مثل البرسيم، ارتفاع كفاءة تحويل الطاقة إلى حليب، والتغيرات الهرمونية الموسمية المرتبطة بطول ساعات النهار.
وفي يناير 2026، أدى هذا الارتفاع في الإنتاج إلى تراجع ملحوظ في الأسعار، مما يريح المستهلكين ويحقق استقرارًا في السوق.
أما العوامل الاقتصادية، فتشمل ارتفاع تكاليف الأعلاف بسبب التغير المناخي والأمراض الوبائية، مما يرفع أسعار اللحوم والألبان عالميًا ويؤثر على مصر.
وكذلك، زيادة تكاليف الطاقة والعمالة في 2026 قد تقلص هوامش الربح للمزارعين، مما يدفع إلى تقلبات إضافية.
بالإضافة إلى ذلك، يعتمد تسعير البيع للمصانع على صيغة موسمية مرتين سنويًا، تأخذ في الاعتبار التكاليف الثابتة (مثل الطاقة والعمالة) والمتغيرة (60% ذرة وصويا، 40% برسيم وعلف).
وفي 2026، ارتفعت تكلفة تغذية البقرة اليومية إلى 110 جنيهات من 37 جنيهًا قبل عام ونصف، بسبب تحرير سعر الصرف وزيادة أسعار الطاقة.

تغييرات هيكل سوق الألبان في 2026
وشهد سوق الألبان في 2026 تغييرًا جذريًا في هيكله، حيث يسيطر صغار المربين على 70% من الإنتاج الإجمالي، بينما تساهم المزارع الكبرى (حوالي 250 مزرعة حديثة) بنسبة 30% فقط.
وبلغ الإنتاج الإجمالي في 2024 نحو 7 ملايين طن، مع نمو سنوي 8%، ويتركز 80% منه على حليب البقر (5.2 مليون طن) مقابل 20% لحليب الجاموس (1.3 مليون طن).
وانخفض عدد الجاموس بنسبة 56% إلى 1.5 مليون رأس، بينما زاد إنتاج البقر بنسبة 104%، مما يعكس تحولًا نحو السلالات المحسنة وراثيًا لزيادة الإنتاجية (20-25 كجم يوميًا مقابل 7 كجم للسلالات المحلية).
كما شهد السوق اندماجات مثل موافقة جهينة على دمج 4 شركات تابعة دون تغيير رأس المال، لتعزيز الكفاءة.
وعالميًا، يتجه القطاع نحو التوحيد في ظل الحمائية وزيادة الضغوط على المزارعين.
دور الحكومة والاستثمارات في تطوير القطاع
وتدعم الحكومة التغييرات من خلال مشاريع قومية، مثل تطوير 300 مركز تجميع ألبان (90 مركزًا بتمويل 600 مليون جنيه، 41 ضمن "حياة كريمة").
ويشمل المشروع بنية تحتية حديثة، تدريب المزارعين، ضمان الجودة، قروض ميسرة، وربط المزارعين بالأسواق لتحسين الدخل وخلق فرص عمل.
كما تجذب الاستثمارات الأجنبية، مثل 150 مليون يورو من "بل مصر" لزيادة الإنتاج، مع تخصيص 80% للتصدير.
وتهدف هذه الجهود إلى الاكتفاء الذاتي (استهلاك فردي 63.6 لتر سنويًا مقابل متوسط عالمي 100 لتر) وتقليل الاستيراد (175 مليون دولار للحليب المجفف في 2024).
الأسعار الحالية وتوقعات المستقبل
وفي 25 يناير 2026، يتراوح سعر الحليب السائب بين 17-28 جنيهًا للبقري و30-40 جنيهًا للجاموسي، مع توقعات باستقرار قبل رمضان دون زيادات جديدة.
أما المستقبل، فيتوقع تحسنًا في الأداء مع جذب استثمارات تزيد عن 1.5 مليار دولار، وزيادة الصادرات إلى 181 مليون دولار سنويًا، مدعومًا بتكنولوجيا التلقيح الاصطناعي والحلب الذكي.
ومع ذلك، قد تؤدي التقلبات المناخية إلى ارتفاعات في 2026، مما يتطلب مراقبة مستمرة.
ويعد تفاوت أسعار الألبان في مصر نتيجة لعوامل موسمية واقتصادية، بينما يعكس تغيير هيكل السوق جهودًا حكومية للتحديث والتوسع.
ومع الاستقرار الحالي في يناير 2026، يبقى التحدي في مواجهة التغير المناخي وتعزيز الاستثمارات لضمان توافر منتجات عالية الجودة بأسعار معقولة، مما يعزز الأمن الغذائي ويفتح آفاق الصادرات.