مصر تدخل عصر الطاقة الحرارية الأرضية.. واستثمارات مليارية على الأبواب
في خطوة واعدة تعزز من توجه مصر نحو تنويع مصادر الطاقة النظيفة، تبرز الطاقة الحرارية الأرضية (الجيوثرمال) كرهان استراتيجي جديد، مع دخول استثمارات سويدية محتملة على الخط.
وأعلن سفير السويد لدى مصر، داج يوهلين دانفيلت، في تصريحات حصرية لـ"العربية Business"، أن شركة "جورد كرافت إنرجي" (Jordkraft Energy AB) السويدية تجري مباحثات متقدمة للاستثمار في هذا المجال، مما يفتح الباب أمام مشاريع كبرى قد تصل تكلفتها إلى مليارات الدولارات في حال نجاح الدراسات.
وفي هذا التقرير، من سمارت فاينانس، نستعرض تفاصيل توجه مصر نحو عصر الطاقة الحرارية الأرضية.
الإمكانيات الجيولوجية الفريدة لمصر
وتمتلك مصر ميزة جيولوجية استثنائية تجعل استغلال الطاقة الحرارية الأرضية أكثر جدوى اقتصادية مقارنة بدول أخرى.
وأكد السفير دانفيلت أن سمك القشرة الأرضية في مصر أقل بكثير من نظيره في أوروبا، مما يقلل من عمق الحفر المطلوب.
ووقال: "في السويد، يتطلب الأمر الحفر إلى نحو 2000 متر، بينما في مصر قد لا يتجاوز العمق 500 متر فقط".
وهذا يعني تكاليف أقل وكفاءة أعلى في الوصول إلى الحرارة الجوفية، خاصة في مناطق مثل خليج السويس والبحر الأحمر، حيث يرتفع التدفق الحراري وتوجد ينابيع حارة طبيعية.
وتعد هذه الموارد مثالية لتوليد الكهرباء عبر محطات نمطية، أو للاستخدامات المباشرة في التدفئة والزراعة والصناعات، مما يجعلها مصدراً نظيفاً يعمل على مدار الساعة دون تقلبات، بخلاف الطاقة الشمسية والرياح.
جورد كرافت إنرجي الشريك السويدي الطموح
وشركة "جورد كرافت إنرجي"، ومقرها ستوكهولم، من الشركات الناشئة الرائدة في تطوير تقنيات الطاقة الحرارية الأرضية المعيارية (modular).
وتعتمد حلولها على الحفر العميق (حتى 8 كيلومترات) لاستخراج البخار الجاف وتحويله إلى كهرباء متجددة.
وتجري الشركة حالياً دراسات فنية وتنظيمية متقدمة مع وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة والهيئة القومية للطاقة الجديدة والمتجددة (NREA)، لتحديد إمكانية إنشاء محطات توليد أو منشآت إنتاجية تعتمد على هذا المصدر.
وأبرز السفير أن الطاقة الحرارية الأرضية "من أنظف وأكفأ مصادر الطاقة على الإطلاق"، مشيراً إلى أن مصر يمكن أن تصبح مركزاً إقليمياً لإنتاج وتصدير الطاقة المستدامة، مما يعزز الأمن الطاقي ويجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية.

الدعم المالي والتمويل السويدي
وتدعم الحكومة السويدية هذا التوجه عبر وكالة "Swedfund"، التي تتولى تمويل دراسات الجدوى الفنية والتقييم الشامل لإمكانات الجيوثرمال في مصر.
وأوضح السفير أن الحكومة السويدية ستغطي تكاليف الدراسات والتقييم الأولي، بينما تتحمل "جورد كرافت" الاستثمارات الرئيسية للإنشاء والبناء إذا أثبتت النتائج جدواها، وهذا النموذج يركز على دعم الابتكار والتنمية المستدامة دون تدخل مباشر في الجانب التجاري.
الحفر التجريبي والتنفيذ
وتستهدف المرحلة الأولى التحقق من التقييمات الأولية عبر "حفر تجريبي" لاستكشاف القدرات الكهربائية المحتملة من الآبار الحرارية.
ويأمل السفير في بدء هذه العمليات الميدانية خلال العام الجاري، بالتنسيق الكامل مع الجهات المصرية المعنية، ونجاح هذه الخطوة قد يمهد لمشروع ضخم يرسخ مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة المتنوعة، ويعزز الشراكة الاستراتيجية مع السويد في التكنولوجيا النظيفة.
استثمارات مليارية على الأبواب
ويأتي هذا التطور ضمن استراتيجية مصر الطموحة لرفع مساهمة الطاقة المتجددة إلى 42% بحلول 2030 (بدلاً من 2035 سابقاً)، مع سعة متجددة تتجاوز 12 جيجاوات بحلول 2026.
وشهد يناير 2026 توقيع اتفاقيات بقيمة 1.8 مليار دولار مع شركات مثل Scatec النرويجية وSungrow الصينية لمشاريع شمسية وبطاريات تخزين.
كما بلغت الاستثمارات في قطاع الكهرباء والمتجددة 136.3 مليار جنيه (حوالي 2.8 مليار دولار) في الخطة المالية 2025/2026.
وناقش مجلس الشيوخ مطلع 2025 إدراج الجيوثرمال ضمن رؤية مصر 2035، مما يعكس اهتماماً رسمياً متزايداً بهذا المجال.
ومع تقدم المباحثات السويدية-المصرية، تتجه مصر نحو استغلال كنوزها الجوفية لتحقيق أمن طاقي مستدام وخفض الانبعاثات.
والطاقة الحرارية الأرضية ليست مجرد مصدر إضافي، بل مكملاً استراتيجياً يعمل باستمرارية عالية، ويدعم التصدير الإقليمي، وإذا نجحت الدراسات والحفر التجريبي، قد نشهد قريباً استثمارات مليارية تحول مصر إلى نموذج إقليمي في الطاقة النظيفة، مدعوماً بخبرات سويدية متقدمة وشراكات دولية قوية.