ماذا تفعل مصر بأصول الدولة قبل بيعها؟.. أراض وشركات ستتحول إلى فرص استثمارية
تدخل أصول الدولة في مصر مرحلة جديدة من الإدارة، لا تقتصر على طرح حصص من الشركات الحكومية في البورصة المصرية أو التخارج منها، وإنما تمتد إلى إعادة هيكلة الملكية، واستغلال الأراضي غير المستغلة، ورفع كفاءة الشركات، وإدخال مستثمرين استراتيجيين، بهدف تحقيق أعلى عائد اقتصادي ممكن من الأصول المملوكة للدولة.
وتتحرك الحكومة المصرية خلال الفترة الحالية نحو بناء تصور أكثر شمولًا لإدارة أصول الدولة، يقوم على تحديد ما تمتلكه الدولة بدقة، ثم دراسة أفضل استخدام اقتصادي لكل أصل، سواء كان شركة أو أرضًا أو حصة في كيان اقتصادي، بما يسمح بتحويل الأصول غير المستغلة إلى فرص استثمارية قادرة على جذب رؤوس الأموال وتعزيز موارد الدولة.
الخطوة الأولى قبل إعادة الهيكلة
وبدأت الحكومة في تنفيذ هذا التوجه من خلال إنشاء وحدة متخصصة لإدارة أصول الدولة تتبع رئاسة مجلس الوزراء، تتولى حصر الأصول المملوكة للدولة، سواء الشركات المملوكة بالكامل أو الشركات المشتركة، إلى جانب أصول شركات قطاع الأعمال العام والهيئات الاقتصادية.
وتكتسب عملية الحصر أهمية كبيرة، لأنها تمثل الأساس الذي يمكن من خلاله تحديد الأصول غير المستغلة، ومعرفة طبيعة ملكية كل أصل، وتقييم أفضل السبل لتحقيق عائد اقتصادي منه.
وتشمل الخطة أيضًا دراسة إعادة هيكلة ملكية عدد من الشركات القابضة وشركاتها التابعة، بما يتوافق مع توجهات وثيقة سياسة ملكية الدولة، مع التأكيد على أن إعادة توزيع أو نقل تبعية بعض الشركات لا يعني بالضرورة توقف نشاطها أو التخلي عن خطط التشغيل والتطوير الخاصة بها.
الأراضي غير المستغلة تتحول إلى فرص استثمارية
ومن أبرز المحاور التي تحظى باهتمام الحكومة استغلال الأراضي المملوكة للشركات والجهات الحكومية، خصوصًا الأراضي غير المستغلة أو التي لا تحقق عائدًا اقتصاديًا يتناسب مع قيمتها.
وتتجه الحكومة إلى إعداد حصر دقيق لهذه الأراضي، وتحديد أفضل استخدام ممكن لكل قطعة، مع إمكانية تحويلها إلى فرص استثمارية جاهزة يمكن عرضها على المستثمرين.
ويعني ذلك أن قيمة بعض أصول الدولة قد لا تكون مرتبطة فقط بالنشاط الأساسي للشركة المالكة لها، وإنما أيضًا بما تمتلكه من أراضٍ ومواقع يمكن تطويرها في قطاعات مختلفة، مثل الصناعة والعقارات والسياحة والخدمات.
وبدلًا من بقاء هذه الأصول دون استغلال، تستهدف الخطة تحويلها إلى مشروعات منتجة توفر استثمارات وفرص عمل وتدفقات مالية جديدة.
إعادة الهيكلة قبل طرح الشركات في البورصة
ولا تتجه الحكومة إلى طرح الشركات الحكومية في البورصة المصرية قبل العمل على رفع كفاءتها وتجهيزها للطرح، إذ تشمل عملية الإعداد استكمال متطلبات الحوكمة، وتشكيل مجالس الإدارة، وتجهيز الإفصاحات اللازمة، وتحسين إدارة الشركات وأدائها.
وتشير البيانات المتاحة إلى أن نحو 20 شركة حصلت على قيد أولي في البورصة، وتعمل حاليًا على استكمال متطلبات القيد، تمهيدًا لطرح حصص منها خلال الفترة المقبلة.
وتختلف نسبة الطرح من شركة إلى أخرى وفق طبيعة كل كيان، إذ يمكن أن تبدأ النسبة من 10%، بينما قد تكون أكبر في بعض الحالات، مع إمكانية دخول مستثمرين استراتيجيين بحصص مؤثرة أو حاكمة.
وبالتالي، فإن الهدف لا يتمثل بالضرورة في بيع الشركات الحكومية بالكامل، وإنما اختيار النموذج الذي يحقق أفضل قيمة اقتصادية للأصل.
مستثمر استراتيجي بدلًا من البيع الكامل
ويمثل جذب المستثمرين الاستراتيجيين أحد المسارات الرئيسية في خطة إدارة أصول الدولة، إذ يمكن أن يؤدي دخول مستثمر يمتلك خبرة فنية وتمويلية إلى تطوير الشركة ورفع قدرتها التنافسية، إلى جانب توفير موارد مالية جديدة.
وهذا النموذج يختلف عن البيع الكامل للأصل، حيث تظل الدولة قادرة على الاحتفاظ بحصة في الشركة، مع الاستفادة في الوقت نفسه من الخبرات والتمويل والإدارة التي يقدمها المستثمر الاستراتيجي.
وتبرز قطاعات مثل التأمين والبتروكيماويات والطاقة ضمن المجالات التي قد تحظى باهتمام المستثمرين خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع استمرار برنامج إعادة هيكلة الشركات وطرح حصص منها.
الصندوق السيادي نموذج لإدارة الأصول
وتقدم تجربة نقل بعض الأصول إلى الصندوق السيادي، ومن بينها شركات تابعة لقطاع التأمين، نموذجًا آخر لطريقة التعامل مع أصول الدولة.
وبدلًا من إدارة جميع الأصول من خلال الجهات الحكومية بصورة مباشرة، يمكن إعادة تنظيم ملكيتها ووضعها في إطار يسمح بإدارتها بطريقة استثمارية أكثر مرونة، ثم تطويرها أو طرح حصص منها أمام المستثمرين.
كما يبرز احتمال اضطلاع جهاز «مستقبل مصر» بدور أكبر في إدارة بعض الأصول، في ظل توسع نشاطه في مجالات الزراعة والاستثمار العقاري والصناعي والسياحي، وما يتمتع به من إطار قانوني يسمح بتنفيذ استثمارات متنوعة.
البورصة المصرية أمام فرصة لزيادة عدد الشركات
ولا تقتصر أهداف إعادة هيكلة أصول الدولة على توفير موارد مالية للحكومة، إذ يمكن أن تسهم الطروحات الجديدة في زيادة عمق البورصة المصرية ورفع عدد الشركات المقيدة بها.
ويؤكد استمرار برنامج القيد والطرح وجود توجه لزيادة الشركات المتاحة أمام المستثمرين، في وقت أظهرت فيه السوق قدرة على استيعاب الطروحات الجديدة، إلى جانب وجود طلب محلي على الأسهم الجديدة.
كما يمكن أن تساعد هذه الطروحات في جذب مستثمرين أجانب يبحثون عن فرص استثمارية في قطاعات واعدة، خاصة مع تحسن البيئة الاقتصادية وتوافر مرونة في سعر الصرف وسهولة الدخول والخروج من الاستثمارات.
من أصول غير مستغلة إلى قيمة اقتصادية
وتكشف التحركات الحكومية أن التعامل مع أصول الدولة لم يعد قائمًا على فكرة البيع فقط، وإنما على اختيار أفضل طريقة لاستغلال كل أصل وفق طبيعته وقيمته الاقتصادية.
فقد يكون الطرح في البورصة هو الخيار الأنسب لشركة، بينما يكون دخول مستثمر استراتيجي أكثر فائدة لكيان آخر، في حين قد يكون تطوير أرض غير مستغلة هو الطريق الأفضل لتعظيم قيمة أصل ثالث.
وبذلك، تسعى مصر إلى الانتقال من مجرد امتلاك الأصول إلى إدارتها بصورة أكثر كفاءة، عبر الحصر وإعادة الهيكلة والحوكمة والاستثمار والطرح، بما يعظم العائد الاقتصادي منها، ويدعم موارد الدولة، ويساعد في الوقت نفسه على خفض أعباء الدين العام.
ونجاح هذه الخطة لن يقاس فقط بحجم الأصول التي سيتم طرحها أو نقل ملكيتها، وإنما بقدرة الدولة على تحويل الأصول غير المستغلة والشركات منخفضة الكفاءة إلى كيانات ومشروعات أكثر إنتاجية وجاذبية للاستثمار، بما يخلق قيمة اقتصادية مستدامة للاقتصاد المصري.