بعد التوسع في الضبعة.. كيف تخطط مصر لبناء صناعة نووية متكاملة بالشراكة مع روسيا؟

محطة الضبعة النووية
محطة الضبعة النووية

لم تعد الشراكة المصرية الروسية في المجال النووي تقتصر على إنشاء محطة الضبعة لإنتاج الكهرباء، بعدما بدأت القاهرة ومؤسسة «روساتوم» الروسية بحث مرحلة جديدة من التعاون تتضمن إضافة وحدتين جديدتين إلى المحطة، إلى جانب دراسة مشروعات في الطاقة النووية العائمة، والمفاعلات منخفضة القدرة، والطب النووي، والمواد الجديدة وتكنولوجيا الكم والطباعة ثلاثية الأبعاد.

ويكشف هذا التوسع عن توجه مصري يتجاوز هدف إنتاج الكهرباء من الطاقة النووية إلى بناء قاعدة أوسع للتكنولوجيا والصناعات النووية، بما قد يفتح المجال أمام توطين الخبرات والتقنيات المرتبطة بهذا القطاع، وتحويل مشروع الضبعة إلى نقطة انطلاق لمنظومة نووية أكثر تكاملًا خلال السنوات المقبلة.

توسع جديد في محطة الضبعة النووية

وبدأت مصر وروسيا بالفعل مناقشة المرحلة الثانية من التوسع المحتمل في محطة الضبعة، والتي تستهدف إضافة وحدتين جديدتين إلى الوحدات الأربع الجاري تنفيذها، بحسب تصريحات المدير العام لمؤسسة «روساتوم» أليكسي ليخاتشوف.

وتتركز المباحثات الحالية على النموذج المالي والاقتصادي للوحدتين الخامسة والسادسة، وهو ما يعني أن قرار التوسع لا يرتبط بالجانب الفني فقط، وإنما يتطلب التوصل إلى تصور متكامل بشأن التمويل والتكلفة والجدوى الاقتصادية للمشروع.

وفي حال توصل الجانبان إلى رؤية مشتركة بشأن المشروع، سيتم رفع تقرير إلى القيادتين المصرية والروسية لاتخاذ القرارات اللازمة، بما يعكس أهمية التوسع المقترح بالنسبة إلى مستقبل التعاون النووي بين البلدين.

6 وحدات نووية محتملة في الضبعة

وتضم محطة الضبعة في تصميمها الحالي 4 وحدات للطاقة النووية، تبلغ قدرة كل وحدة منها 1200 ميغاواط، بإجمالي قدرة تصل إلى 4800 ميغاواط، وتعمل الوحدات بمفاعلات «VVER-1200» الروسية من الجيل الثالث المتطور.

وفي حال تنفيذ الوحدتين الخامسة والسادسة، سترتفع القدرة النووية المحتملة لمحطة الضبعة إلى 7200 ميغاواط، ما يعزز دور الطاقة النووية في مزيج الكهرباء المصري، ويمنح المحطة وزنًا أكبر في منظومة الطاقة على المدى الطويل.

ولا تزال الوحدات الأربع الحالية تمثل محور المشروع، إذ يجري تنفيذها بالتوازي، مع التخطيط لتسليم الوقود النووي للوحدة الأولى في عام 2027، بينما تستهدف الخطط ربط الوحدة الأولى بالشبكة الكهربائية في عام 2028.

من إنتاج الكهرباء إلى صناعة نووية متكاملة

والجانب الأكثر أهمية في التطورات الأخيرة لا يتعلق فقط بإضافة مفاعلين جديدين، وإنما في اتساع نطاق التعاون المصري الروسي ليشمل مجالات تكنولوجية وصناعية متعددة.

وتدرس مصر و«روساتوم» إمكانية تصنيع محطات الطاقة النووية العائمة ومحطات الطاقة منخفضة القدرة، وهي مشروعات تفتح الباب أمام نقل خبرات وتقنيات نووية جديدة إلى السوق المصرية.

ويمثل بحث التصنيع داخل مصر خطوة مختلفة عن نموذج تنفيذ محطة تعتمد بصورة أساسية على التكنولوجيا والخبرات الخارجية، إذ يمكن أن يسهم توسيع نطاق التعاون الصناعي في تطوير سلاسل توريد محلية، ورفع مستوى مشاركة الشركات المصرية في المشروعات النووية، فضلًا عن تدريب وتأهيل كوادر متخصصة في مجالات الهندسة والتصنيع والصيانة.

ومن هنا، يمكن أن تتحول الضبعة تدريجيًا من مشروع لإنتاج الكهرباء إلى منصة لتطوير القدرات المصرية في الصناعات والتقنيات النووية.

الطب النووي يدخل على خط الشراكة

ولم تتوقف طلبات التعاون المصرية عند قطاع الكهرباء، إذ تشمل الخطط بحث إنشاء مركز متطور وعالي الأداء للطب النووي يعتمد على مفاعل بحثي.

ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة في ظل الاستخدامات المتعددة للتكنولوجيا النووية في المجال الطبي، سواء في التشخيص أو العلاج أو إنتاج النظائر المشعة المستخدمة في عدد من التطبيقات الطبية.

ومن شأن تطوير بنية متقدمة للطب النووي أن يدعم القدرات المصرية في هذا القطاع، ويوفر فرصًا أكبر لتطوير البحث العلمي والتدريب ونقل التكنولوجيا، إلى جانب تعزيز التعاون بين المؤسسات العلمية والطبية والصناعية.

التكنولوجيا النووية والمواد الجديدة

وتتسع أجندة التعاون كذلك لتشمل المواد الجديدة وإنشاء مركز للطباعة ثلاثية الأبعاد، وهي مجالات ترتبط بصورة مباشرة بتطوير الصناعات الحديثة.

وتبرز أهمية هذه الخطوة في إمكانية استخدام تقنيات التصنيع المتقدم في إنتاج مكونات وأجزاء هندسية معقدة، وهو ما يمكن أن يدعم الصناعات المرتبطة بالطاقة والهندسة والقطاعات التكنولوجية الأخرى.

كما أن إدخال تكنولوجيا الكم ضمن مجالات التعاون المقترحة يعكس توجهًا نحو الاستفادة من التقنيات المتقدمة، وليس فقط التركيز على تشغيل المفاعلات وإنتاج الكهرباء.

لماذا يمثل التوسع أهمية لمصر؟

وتسعى مصر خلال السنوات الأخيرة إلى تنويع مصادر الطاقة وتعزيز الاعتماد على مصادر منخفضة الانبعاثات، وتأتي الطاقة النووية ضمن الخيارات طويلة الأجل لتوفير الكهرباء بصورة مستقرة.

ولكن أهمية مشروع الضبعة تتجاوز إنتاج الطاقة، إذ يمكن للمشروعات النووية الكبرى أن تخلق منظومة من الصناعات والخدمات المرتبطة بها، بدءًا من الهندسة والتصنيع وصولًا إلى التدريب والبحث العلمي والصيانة.

ومن هذا المنظور، فإن إضافة وحدتين جديدتين قد تعني ليس فقط زيادة القدرة الإنتاجية للمحطة، وإنما استمرار العمل والتوسع في قاعدة المهارات والخبرات التي يجري بناؤها حول المشروع.

كما أن بحث تصنيع محطات نووية عائمة ومفاعلات منخفضة القدرة يشير إلى إمكانية انتقال التعاون إلى مرحلة أكثر تقدمًا، تقوم على تطوير قدرات إنتاجية وتكنولوجية يمكن أن يكون لها تطبيقات تتجاوز حدود محطة الضبعة نفسها.

محطة الضبعة نقطة البداية

وتقع محطة الضبعة النووية في مدينة الضبعة بمحافظة مطروح على ساحل البحر المتوسط، على مسافة تقارب 300 كيلومتر شمال غربي القاهرة، وتعد أول محطة للطاقة النووية في مصر.

ويعود الإطار التعاقدي للمشروع إلى عام 2017، عندما دخلت العقود الخاصة بالمحطة حيز التنفيذ، لتنطلق بعدها أعمال إنشاء الوحدات الأربع باستخدام مفاعلات «VVER-1200».

ومع استمرار تنفيذ المشروع، أصبح التعاون المصري الروسي يمتد تدريجيًا إلى مجالات أكثر اتساعًا، وهو ما يطرح سيناريو جديدًا لمستقبل الصناعة النووية المصرية.

وإذا نجحت المباحثات بشأن الوحدتين الخامسة والسادسة، وتقدمت مشروعات تصنيع المحطات العائمة ومنشآت الطب النووي والتقنيات المتقدمة، فقد تصبح الضبعة أكثر من مجرد محطة لتوليد الكهرباء، لتتحول إلى مركز رئيسي ضمن منظومة مصرية أوسع للطاقة والتكنولوجيا النووية.

مصر أمام مرحلة جديدة من التعاون النووي

وتكشف التطورات الأخيرة أن القاهرة تتعامل مع التعاون النووي مع روسيا باعتباره مشروعًا طويل الأجل، وليس مجرد صفقة لإنشاء محطة كهرباء.

والمفاوضات حول الوحدتين الخامسة والسادسة، بالتوازي مع بحث تصنيع محطات الطاقة النووية العائمة والمفاعلات منخفضة القدرة، وطلبات التعاون في الطب النووي والمواد الجديدة والطباعة ثلاثية الأبعاد وتكنولوجيا الكم، ترسم ملامح شراكة متعددة القطاعات.

وبذلك، يمكن أن يكون التوسع في الضبعة بداية لمرحلة جديدة، تتحول خلالها الطاقة النووية في مصر من مشروع لتوليد الكهرباء إلى قطاع صناعي وتكنولوجي متكامل، تدعمه البنية التحتية والخبرات التي يجري تأسيسها حاليًا بالشراكة مع روسيا.

تم نسخ الرابط