مساحات زراعة القطن المصري تنخفض إلى مستوى تاريخي.. ماذا حدث لـ «الذهب الأبيض»؟

القطن المصري
القطن المصري

في وقت تضخ فيه الدولة المصرية مليارات الجنيهات لتطوير مصانع الغزل والنسيج وإحياء صناعة القطن التاريخية، جاءت أرقام الموسم الزراعي الحالي لتكشف عن مفارقة لافتة، إذ هبطت مساحات زراعة القطن المصري إلى واحد من أدنى مستوياتها على الإطلاق، في تطور يثير تساؤلات واسعة حول مستقبل المحصول الذي ارتبط لعقود طويلة باسم مصر في الأسواق العالمية.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن مساحات زراعة القطن المصري واصلت تراجعها للعام الثاني على التوالي، لتسجل نحو 155.6 ألف فدان فقط حتى 22 يونيو 2026، مقارنة بنحو 195 ألف فدان خلال الفترة نفسها من الموسم الماضي، بانخفاض تجاوز 20%، لتقترب بذلك من أدنى مستوى تاريخي سجلته البلاد في عام 2016 عندما بلغت المساحات نحو 136 ألف فدان فقط.

من أكثر من مليون فدان إلى 155 ألفًا فقط

وتكشف المقارنة التاريخية حجم التحول الكبير الذي شهدته زراعة القطن في مصر خلال العقود الماضية، ففي ثمانينيات القرن الماضي كانت مصر تزرع أكثر من مليون فدان من القطن سنويًا، بينما انكمشت المساحة المزروعة اليوم إلى نحو 155 ألف فدان فقط، ما يعكس تراجعًا هائلًا في مكانة المحصول داخل الخريطة الزراعية المصرية.

ولم يقتصر الانخفاض على منطقة بعينها، إذ أظهرت البيانات تراجع المساحات في الوجه البحري إلى 145.4 ألف فدان مقابل 174 ألف فدان العام الماضي، بينما سجل الوجه القبلي الانخفاض الأكبر بعدما هبطت المساحات إلى 10.2 آلاف فدان فقط مقابل 21 ألف فدان في الموسم السابق، بنسبة تراجع تجاوزت 51%.

أزمة التسويق.. السبب الرئيسي وراء الانهيار

ويرى خبراء القطاع الزراعي أن السبب الرئيسي وراء تراجع المساحات لا يتعلق بالإنتاج الزراعي أو جودة المحصول، وإنما بأزمة التسويق التي تفاقمت خلال الموسمين الأخيرين.

وبحسب مسؤولين وخبراء، فإن الخلاف الذي نشأ قبل موسمين حول أسعار الضمان الحكومية أدى إلى اضطراب منظومة التسويق بالكامل، ففي ذلك الوقت حددت الحكومة أسعار ضمان تراوحت بين 10 و12 ألف جنيه للقنطار، إلا أن شركات القطاع الخاص اعتبرت هذه الأسعار أعلى من المستويات العالمية، ما دفع العديد منها إلى العزوف عن المشاركة في مزادات شراء المحصول.

ورغم تدخل الحكومة لاحقًا وتقديم دعم إضافي بقيمة ألفي جنيه للقنطار، فإن الأزمة تركت آثارًا عميقة داخل السوق، وأدت إلى تراجع ثقة المزارعين في آليات تسويق المحصول.

خسائر المزارعين تدفعهم للعزوف عن الزراعة

ومع بداية الموسم الماضي واجه المزارعون أزمة جديدة تمثلت في انخفاض أسعار القطن بنحو 3 آلاف جنيه للقنطار مقارنة بالموسم السابق، في وقت شهدت فيه تكاليف الزراعة ارتفاعات ملحوظة.

القطن المصري
القطن المصري

وأدى غياب أسعار الضمان الحكومية خلال الموسم الأخير إلى شراء المحصول بأسعار وصفها خبراء القطاع بأنها غير كافية لتغطية تكاليف الإنتاج وتحقيق هامش ربح مناسب، وهو ما دفع أعدادًا كبيرة من المزارعين إلى استبدال القطن بمحاصيل أخرى أكثر استقرارًا وربحية.

وأكد حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين أن حالة الارتباك التي صاحبت استلام المحصول خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب تأخر صرف مستحقات بعض المزارعين، ساهمت في تراجع الاهتمام بزراعة القطن بشكل واضح.

مخزون ضخم يضغط على السوق

ولم تتوقف الأزمة عند حدود الأسعار فقط، بل امتدت إلى تراكم كميات كبيرة من القطن غير المباع داخل السوق المحلية.

ووفقًا للبيانات الرسمية، بلغ إجمالي المعروض من القطن خلال موسم 2024-2025 نحو 107 آلاف طن، منها 91 ألف طن من إنتاج الموسم نفسه و16 ألف طن مخزونًا متراكمًا من الموسم السابق.

وقد ساهم هذا المخزون في زيادة الضغوط على الأسعار وتقليص شهية المشترين، ما انعكس سلبًا على قرارات الزراعة للموسم الجديد.

ضعف الطلب المحلي يفاقم الأزمة

ورغم مشروعات تطوير صناعة الغزل والنسيج التي تنفذها الدولة، فإن الطلب المحلي على القطن المصري لا يزال محدودًا مقارنة بحجم الإنتاج.

وتشير البيانات إلى أن استهلاك المغازل المحلية والمناطق الحرة من القطن المصري بلغ نحو 6.1 آلاف طن فقط خلال الموسم التسويقي الأخير حتى منتصف يونيو 2026، وهو مستوى يعد منخفضًا مقارنة بالكميات المنتجة والمعروضة في السوق.

ويرى متخصصون أن كثيرًا من المصانع تعتمد على القطن قصير التيلة المستورد لانخفاض تكلفته، بينما يذهب الجزء الأكبر من القطن المصري طويل التيلة إلى الصناعات الفاخرة والأسواق التصديرية، وهو ما يحد من الطلب المحلي عليه.

هل ينجح تطوير الغزل والنسيج في إنقاذ المحصول؟

ويأتي هذا التراجع في وقت تراهن فيه الحكومة على مشروع ضخم لإعادة إحياء صناعة الغزل والنسيج المصرية، وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرة هذه الاستثمارات على إعادة التوازن بين الزراعة والصناعة.

ويؤكد خبراء القطاع أن إنقاذ القطن المصري يتطلب معالجة جذرية لأزمة التسويق، وتوفير أسعار عادلة للمزارعين، وتنشيط الصادرات، وزيادة استهلاك المصانع المحلية للمحصول، إلى جانب القضاء على حالة عدم اليقين التي أصبحت تسيطر على قرارات المزارعين.

مستقبل «الذهب الأبيض» على المحك

وتكشف أرقام موسم 2026 أن أزمة القطن المصري لم تعد مجرد تراجع مؤقت في المساحات المزروعة، بل تحولت إلى تحدٍ هيكلي يهدد واحدًا من أهم المحاصيل الاستراتيجية في البلاد، فبين انخفاض الأسعار، وتراكم المخزون، وضعف الطلب المحلي، وأزمات التسويق المتكررة، وجد المزارع نفسه أمام معادلة اقتصادية صعبة دفعته إلى الابتعاد عن زراعة القطن.

ومع وصول المساحات إلى نحو 155.6 ألف فدان فقط، يصبح مستقبل «الذهب الأبيض» مرهونًا بقدرة الدولة والقطاع الخاص على إعادة بناء منظومة إنتاج وتسويق متكاملة تعيد الثقة للمزارعين وتضمن استدامة المحصول الذي كان يومًا ما أحد أبرز رموز الاقتصاد الزراعي المصري.

تم نسخ الرابط