من كارت المفتش إلى AI.. كيف تغير الحكومة أدوات الرقابة على الأسواق؟

الرقابة على الأسواق
الرقابة على الأسواق

تتجه الحكومة المصرية إلى إعادة تشكيل منظومة الرقابة على الأسواق، عبر الاعتماد بصورة أكبر على التكنولوجيا والبيانات بدلًا من الاكتفاء بآليات التفتيش التقليدية، في خطوة تستهدف رفع كفاءة متابعة حركة الأسعار، ورصد المخالفات، وتحسين قدرة الأجهزة المعنية على التدخل السريع لضبط الأسواق وحماية المستهلك.

وتأتي هذه التحركات في وقت تعمل فيه وزارة التموين والتجارة الداخلية على تطوير عدد من الأدوات الرقمية، من بينها منظومة «كارت المفتش» و«رادار الأسعار» و«منظومة رصد الأسعار»، إلى جانب الاستفادة من نظم المعلومات وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي في دعم أعمال التفتيش واتخاذ القرارات.

«كارت المفتش».. رقمنة حملات التفتيش

ويمثل «كارت المفتش» أحد أبرز ملامح التحول الرقمي في الرقابة على الأسواق، إذ يستهدف تحويل عملية متابعة المفتشين من الأسلوب التقليدي إلى منظومة إلكترونية تسمح بمتابعة الحملات الميدانية بصورة أكثر دقة.

وتتيح المنظومة لغرفة العمليات متابعة تحركات المفتش خلال الحملات، بما يشمل موقعه، وخط سيره، وعدد المحال التي جرى التفتيش عليها، وهو ما يوفر للجهات المسؤولة بيانات أكثر تفصيلًا عن طبيعة العمل الميداني.

ولا تتوقف أهمية «كارت المفتش» عند متابعة تحركات المفتشين، وإنما تمتد إلى بناء قاعدة بيانات إلكترونية لمحاضر التفتيش والمخالفات التي يتم تسجيلها في مختلف المناطق.

وتسمح هذه القاعدة للمفتش بالتعرف على المخالفات السابقة للمنشأة التي يقوم بالتفتيش عليها، ما يساعد على متابعة المنشآت التي سبق ضبطها وعدم التعامل مع كل مخالفة باعتبارها واقعة منفصلة.

من المحضر الورقي إلى قاعدة بيانات للمخالفات

وأحد أبرز التغييرات التي يمكن أن تحدثها الرقمنة يتمثل في تحويل محاضر التفتيش من مجرد مستندات ورقية إلى بيانات يمكن تخزينها وتحليلها والاستفادة منها في الحملات اللاحقة.

وبهذه الآلية، تستطيع الجهات المسؤولة تكوين صورة أكثر وضوحًا عن طبيعة المخالفات في كل منطقة، وعدد المحاضر المحررة، ونتائج الحملات، والمنشآت التي تتكرر بها المخالفات.

كما تسمح قاعدة البيانات باستمرار متابعة المنشأة حتى في حالة تغيير المفتش المسؤول عن المنطقة، وهو ما يعالج إحدى مشكلات الرقابة التقليدية التي قد تجعل انتقال المفتش أو تغييره سببًا في فقدان جزء من المعلومات المتراكمة عن المنشأة.

«رادار الأسعار».. المواطن شريك في الرقابة

وعلى الجانب الآخر، تستهدف وزارة التموين من خلال «رادار الأسعار» إتاحة معلومات تساعد المواطن على التعرف على متوسطات أسعار السلع والنطاق الذي تتحرك فيه الأسعار.

ولا تعني المنظومة فرض سعر إجباري على التجار، خصوصًا في ظل آليات السوق الحرة، وإنما توفر للمستهلك مؤشرًا يساعده على مقارنة السعر المعروض عليه بمتوسطات الأسعار المرصودة.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنسبة للمستهلك، إذ يمكن أن تساعده المعلومات المتاحة على اتخاذ قرار الشراء بصورة أكثر وعيًا، فضلًا عن إمكانية تقديم شكوى في حالة وجود مبالغة في الأسعار.

وبذلك تنتقل الرقابة جزئيًا من كونها مهمة تقوم بها الأجهزة الحكومية فقط إلى نموذج يشارك فيه المواطن من خلال الإبلاغ عن الممارسات غير الطبيعية في السوق.

الذكاء الاصطناعي يدخل على خط مراقبة الأسواق

ولا تقتصر خطة الحكومة على رقمنة إجراءات التفتيش وتسجيل الأسعار، وإنما تمتد إلى استخدام تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي لدعم عملية اتخاذ القرار.

وتسمح البيانات المتراكمة من حملات التفتيش ورصد الأسعار بتكوين قاعدة معلومات ضخمة يمكن تحليلها لاكتشاف الأنماط المتكررة، سواء فيما يتعلق بالمخالفات أو حركة الأسعار أو توزيع السلع.

ومع تطوير أدوات التحليل، يمكن أن تصبح البيانات عنصرًا أساسيًا في تحديد المناطق التي تحتاج إلى تكثيف الحملات الرقابية، ورصد التغيرات غير المعتادة في أسعار بعض السلع، ومتابعة المنشآت التي تتكرر بها المخالفات.

وبالتالي، فإن التحول الرقمي لا يعني فقط استبدال الورق بشاشات إلكترونية، وإنما يستهدف الانتقال تدريجيًا من الرقابة التي تعتمد على المتابعة الميدانية وحدها إلى رقابة تعتمد على البيانات والتحليل وربط المعلومات بين الجهات المختلفة.

تتبع السلعة من المصدر إلى المستهلك

ومن بين الأدوات التي تدرسها وزارة التموين إعداد منظومة لتتبع حركة المنتجات «Track & Trace»، بحيث يمكن متابعة السلعة منذ خروجها من المصدر وحتى وصولها إلى المستهلك.

وتستهدف هذه المنظومة توفير رؤية أكثر وضوحًا لحركة السلع داخل الأسواق، وربط أسعار المنتجات بالتكلفة الفعلية، بما يساعد على رصد الارتفاعات غير المبررة.

كما يمكن أن تسهم منظومة التتبع في متابعة التوزيع الجغرافي للسلع، والتأكد من توافرها في المناطق المختلفة، ورصد أي محاولات لحبس المنتجات أو التأثير على المعروض في الأسواق.

ويمتد الأمر كذلك إلى متابعة المخزون الاستراتيجي، بما يوفر للجهات المعنية معلومات تساعدها على التعامل بصورة أسرع مع أي نقص محتمل في بعض السلع الأساسية.

الحكومة تراهن على التكنولوجيا لضبط الأسعار

ويتزامن تطوير أدوات الرقابة الرقمية مع خطة أوسع لزيادة المعروض من السلع، والتوسع في المنافذ الحكومية والمعارض الدائمة وأسواق اليوم الواحد، بهدف تقليل الحلقات الوسيطة بين المنتج والمستهلك وتوفير السلع بأسعار مناسبة.

وتستعد الحكومة لطرح 12 سلعة أساسية بأسعار وكميات مناسبة للمواطنين اعتبارًا من 10 سبتمبر، مع خطة للتوسع تدريجيًا في قائمة السلع لتصل إلى 30 سلعة، عبر المجمعات الاستهلاكية وأسواق اليوم الواحد والأسواق الدائمة والمنافذ الثابتة والمتحركة.

كما يجري العمل على تطوير نحو 40 ألف منفذ تابع لتجار التموين ومشروع «جمعيتي» وتحويلها إلى منافذ «كاري أون»، على أن يبدأ تشغيلها بالشكل الجديد مع بداية عام 2027، وفق ما تم استعراضه خلال الاجتماع الحكومي.

الرقابة الجديدة.. من رد الفعل إلى الوقاية

وتكشف هذه التحركات عن اتجاه نحو جعل الرقابة على الأسواق أكثر اعتمادًا على الوقاية والاستباق، وليس انتظار ظهور المشكلة ثم التعامل معها، فوجود قاعدة بيانات للمخالفات، ورصد مستمر للأسعار، وتحليل لحركة السلع، إلى جانب تتبع المنتجات من المصدر إلى المستهلك، يمكن أن يمنح الجهات الرقابية قدرة أكبر على اكتشاف الاختلالات مبكرًا.

وفي المقابل، يمثل نجاح هذه المنظومة تحديًا يرتبط بمدى دقة البيانات وسرعة تحديثها وربط مختلف مصادر المعلومات، فضلًا عن قدرة الأجهزة المعنية على تحويل البيانات التي تجمعها إلى قرارات فعالة على أرض الواقع.

وبذلك تتجه الرقابة على الأسواق في مصر إلى مرحلة جديدة، يصبح فيها «كارت المفتش» عينًا إلكترونية على الحملات الميدانية، و«رادار الأسعار» أداة للمستهلك، وقواعد البيانات سجلًا متكاملًا للمخالفات، والذكاء الاصطناعي وسيلة لتحليل حركة السوق، ومنظومة التتبع أداة لمراقبة رحلة السلعة من المصدر حتى المستهلك.

والهدف النهائي من هذا التحول هو بناء سوق أكثر شفافية، وتحسين القدرة على اكتشاف المخالفات والارتفاعات غير المبررة، وزيادة توافر السلع، بما يدعم جهود الحكومة في ضبط الأسواق وحماية المواطنين من تقلبات الأسعار.

تم نسخ الرابط