الحياة تدب في قناة السويس من جديد.. كيف استطاعت مصر إعادة إحياء المجرى الملاحي؟
في ظل التحديات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، عادت قناة السويس، الشريان الحيوي للتجارة العالمية، إلى الانتعاش تدريجيًا.
وبعد انخفاض حاد في حركة الملاحة بسبب الهجمات في البحر الأحمر، نجحت مصر في إعادة إحياء القناة من خلال استراتيجيات مدروسة تشمل خصومات مالية، توسعات بنية تحتية، وتعزيز الأمن.
وفي هذا التقرير، من سمارت فاينانس، نوضح كيف تحولت القناة من أزمة إلى فرصة اقتصادية.
من الإنشاء إلى الأزمات الحديثة
وافتتحت قناة السويس في عام 1869 كمشروع فرنسي-مصري، وسرعان ما أصبحت رابطًا أساسيًا بين البحر المتوسط والبحر الأحمر، مقلصة مسافة الشحن بين أوروبا وآسيا بنحو 10 أيام مقارنة بطريق رأس الرجاء الصالح.
ومع ذلك، واجهت القناة تحديات تاريخية، مثل إغلاقها لثماني سنوات بعد حرب 1967، ثم عادت للعمل في 1975.
وفي العقود الأخيرة، ساهمت في توليد إيرادات هائلة لمصر، بلغت ذروتها 10.25 مليار دولار في 2023، قبل أن تتأثر بالتوترات الإقليمية.
وفي 2024 و2025، أدت الهجمات الحوثية في البحر الأحمر، مرتبطة بالحرب في غزة، إلى انخفاض الإيرادات بنسبة تصل إلى 50-60%، حيث انخفضت إلى حوالي 4 مليار دولار سنويًا.
واضطرت العديد من الشركات الملاحية، مثل CMA CGM وMaersk، إلى إعادة توجيه السفن حول أفريقيا، مما زاد التكاليف بنحو 900 ألف دولار لكل رحلة وزاد الوقت بـ10-14 يومًا.
أزمات البحر الأحمر وتأثيرها على قناة السويس
وكانت الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر السبب الرئيسي للأزمة، حيث أدت إلى تجنب الطريق من قبل الشركات الكبرى، مما خفض حركة المرور بنسبة كبيرة.
ووفقًا للرئيس عبد الفتاح السيسي، خسرت مصر نحو 9 مليار دولار بسبب هذه التوترات.
كما ارتفعت تكاليف التأمين على السفن بسبب "مخاطر الحرب"، مما جعل الطريق البديل أكثر جاذبية رغم طوله.
ومع ذلك، بدأ التحسن في النصف الثاني من 2025 بعد وقف إطلاق النار الإقليمي في أكتوبر 2025، الذي خفف التوترات وسمح بعودة بعض السفن الكبيرة.
وساهمت الجهود الدولية في تعزيز الأمن، بما في ذلك الدوريات البحرية، في استعادة الثقة.
جهود مصر في إعادة إحياء قناة السويس
ولإعادة إحياء القناة، اعتمدت هيئة قناة السويس (SCA) على عدة استراتيجيات، أولاً، قدمت خصومات تصل إلى 15% للسفن الحاويات الكبيرة لجذب الشركات مرة أخرى.
وثانيًا، أكملت توسعات في القطاع الجنوبي لاستيعاب سفن أكبر، بما في ذلك مشروع بقيمة 8.6 مليار دولار أطلقه الرئيس السيسي قبل عقد.

كما ركزت على تحديث الأسطول، بما في ذلك بناء 12 سفينة صيد عميقة، 6 قاطرات بقوة 90 طن، و10 قاطرات أخرى بقوة 80 طن، بالإضافة إلى 10 حافلات نهرية.
وفي اجتماع مع الرئيس السيسي خلال الشهر الجاري، أكد رئيس الهيئة أسامة ربيع على تطوير حوض بناء السفن في جنوب البحر الأحمر لتوطين الصناعات البحرية وتعزيز الشراكات مع القطاع الخاص.
وبالإضافة إلى ذلك، تحولت القناة نحو خدمات مضافة مثل صيانة السفن وتزويد الوقود الأخضر، لتعزيز الجاذبية طويلة الأمد.
وفي نوفمبر 2025، سجلت زيادة بنسبة 5.8% في حركة المرور والإيرادات في النصف الأول من العام المالي 2025/2026.
زيادة الإيرادات والحركة الملاحية
وحتى يناير الجاري، ارتفعت إيرادات القناة بنسبة 17.5% مقارنة بالعام السابق، مع توقعات ببلوغ 8 مليار دولار في العام المالي 2025/2026، و10 مليار بحلول نهاية 2026.
وعادت شركات مثل CMA CGM إلى العبور الكامل، مع مرور سفينة "CMA CGM Jacques Saade" في ديسمبر 2025، وتخطط لإعادة تشغيل خطوط كاملة في يناير 2026.
أما Maersk، فتعتمد نهجًا تدريجيًا مع الاعتماد على الاستخبارات الأمنية.
ووفقًا لرئيس الهيئة، يظهر التحسن في النصف الثاني من 2025 علامات إيجابية، مع عودة السفن العملاقة بفضل الاستقرار في البحر الأحمر.
وهذا الانتعاش يعزز الاقتصاد المصري، يساعد في استقرار الجنيه وتسديد الديون الخارجية، ويقلل التضخم العالمي في الشحن.
التوقعات المستقبلية لقناة السويس في 2026 وما بعدها
ويتوقع الخبراء، بما في ذلك مورغان ستانلي، أن يكون إعادة فتح القناة محفزًا رئيسيًا للأسهم المصرية في 2026.
كما يركز الرئيس السيسي على استمرار استراتيجية التطوير للحفاظ على كفاءة القناة عالميًا.
قناة السويس رمز للصمود المصري
وعادت الحياة إلى قناة السويس بفضل الجهود الحكومية المتكاملة، التي جمعت بين الإصلاحات الاقتصادية والأمنية.
وفي 2026، تعد القناة نموذجًا لكيفية تحول الأزمات إلى فرص، مساهمة في الاقتصاد العالمي وتعزيز مكانة مصر.