مليارا دولار على الأبواب.. مصر تتحول إلى مركز إقليمي لصناعة الأجهزة المنزلية

صناعة الأجهزة الكهربائية
صناعة الأجهزة الكهربائية

تقترب السوق المصرية من مرحلة جديدة في صناعة الأجهزة المنزلية، مع ترقب انتقال علامات عالمية جديدة إلى مصر قبل نهاية العام المقبل، بالتزامن مع توقعات بضخ استثمارات تصل قيمتها إلى نحو ملياري دولار، في ظل تنامي فرص التصنيع والتصدير إلى أسواق الاتحاد الأوروبي وأفريقيا ودول الخليج.

وتأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه صناعة الأجهزة المنزلية والكهربائية في مصر توسعًا ملحوظًا، مدفوعًا بزيادة الاستثمارات الأجنبية، وارتفاع الحصص التصديرية للشركات العاملة في السوق، إلى جانب المزايا التي توفرها مصر للمصنعين، وعلى رأسها الموقع الجغرافي، وانخفاض تكاليف الشحن إلى عدد من الأسواق مقارنة بدول شرق آسيا.

الصين في صدارة الاستثمارات الجديدة

وبحسب مصادر مطلعة، تستحوذ الشركات الصينية على الجانب الأكبر من الاستثمارات المرتقبة في قطاع الأجهزة المنزلية، تليها الشركات التركية، إلى جانب علامات من دول الاتحاد الأوروبي، في ظل ارتفاع جاذبية السوق المصرية كمركز للتصنيع والتصدير.

وتتوزع الاستثمارات المنتظرة بين شركات جديدة تستعد لدخول السوق المصرية للمرة الأولى، وشركات قائمة بالفعل تخطط لتوسيع مشروعاتها وزيادة طاقاتها الإنتاجية، بالتزامن مع توجه عدد من المصنعين إلى رفع صادراتهم من مصر إلى الأسواق الخارجية.

وتبرز المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كأحد العوامل التي تعزز جاذبية مصر أمام الشركات العالمية، إلى جانب الموقع القريب من الأسواق الأوروبية والأفريقية والعربية، وهو ما يمنح المصانع العاملة في مصر فرصة للوصول إلى تلك الأسواق بتكاليف شحن أقل مقارنة بمراكز إنتاج تقع في شرق آسيا.

AUX وHisense وBeko.. علامات عالمية تعزز وجودها في مصر

وتستعد مجموعة من العلامات العالمية لتعزيز وجودها في السوق المصرية، ومن أبرزها شركة AUX الصينية المتخصصة في صناعة أجهزة التكييف، والتي تستعد لدخول السوق المصرية، إلى جانب شركة Hisense الصينية التي تعتزم الانتقال من مرحلة التجميع إلى التصنيع.

كما تأتي شركة Beko التركية ضمن أبرز الشركات التي تخطط للتوسع في مصر، بعدما أصبحت بالفعل من الشركات النشطة في قطاع الأجهزة المنزلية، وحلت في المركز السادس من حيث حجم الصادرات خلال النصف الأول من عام 2026 وفق البيانات المشار إليها.

ويعكس دخول شركات عالمية جديدة وتوسع شركات قائمة تحولًا تدريجيًا في طبيعة صناعة الأجهزة المنزلية المصرية، من سوق تعتمد على المنتجات المستوردة إلى قاعدة إنتاج يمكن أن تستهدف السوق المحلية والأسواق الخارجية في الوقت نفسه.

721 مليون دولار صادرات الأجهزة المنزلية والكهربائية في 6 أشهر

وتدعم أرقام التجارة الخارجية هذا التحول، إذ سجلت صادرات قطاع الأجهزة المنزلية والكهربائية المصرية نحو 721.05 مليون دولار خلال النصف الأول من عام 2026.

وتصدرت Samsung Electronics Egypt قائمة أكبر الشركات المصدرة في القطاع خلال تلك الفترة، تلتها LG Electronics Egypt، ثم Fresh Electric للأجهزة المنزلية، وجاءت Atlantic الهندسية لتكنولوجيا الطاقة في المركز الرابع، بينما حلت Midea Electric Egypt في المركز الخامس.

وتشير هذه الأرقام إلى تنامي الدور الذي تلعبه المصانع الموجودة في مصر في تلبية احتياجات الأسواق الخارجية، خاصة مع وجود طلب قوي من دول الاتحاد الأوروبي على استيراد الأجهزة المنزلية المصرية.

صادرات القطاع تستهدف 1.5 مليار دولار بنهاية 2026

ويتوقع رئيس المجلس التصديري للصناعات الهندسية في مصر شريف الصياد ارتفاع صادرات الأجهزة المنزلية والكهربائية إلى نحو 1.5 مليار دولار بنهاية عام 2026، مقارنة بمستويات الصادرات المسجلة خلال النصف الأول من العام.

وتأتي هذه التوقعات بالتزامن مع مستهدف وصول إجمالي الصادرات الهندسية المصرية إلى نحو 7.5 مليار دولار بنهاية العام، مقابل 6.5 مليار دولار خلال العام السابق.

ويرى الصياد أن صناعات الأجهزة المنزلية أصبحت في صدارة الصناعات الهندسية المصرية، مشيرًا إلى الطفرة التي شهدها القطاع خلال العقد الأخير، مع دخول عدد كبير من المصنعين الدوليين إلى السوق المصرية.

وبحسب تصريحاته، شهدت السنوات الثلاث الماضية دخول أربعة من أكبر المصنعين الصينيين، إلى جانب شركة أوروبية وأخرى تركية من كبرى شركات الأجهزة المنزلية عالميًا.

لماذا تراهن الشركات العالمية على مصر؟

وتستند جاذبية مصر أمام شركات الأجهزة المنزلية إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها توافر الأيدي العاملة وانخفاض الأجور، فضلًا عن الاتفاقيات التجارية التي تربط مصر بأكثر من 75 دولة حول العالم.

ويضاف إلى ذلك قرب مصر من السوق الأوروبية، وهو عامل يمكن أن يخفض تكلفة شحن المنتجات مقارنة بمراكز التصنيع الموجودة في شرق آسيا، خاصة عندما تستهدف الشركات التصدير إلى أوروبا وأفريقيا والأسواق العربية.

ويشير رئيس المجلس التصديري للصناعات الهندسية إلى أن الاستثمارات الأجنبية في هذا القطاع تستهدف تصدير نحو 50% من إنتاجها، وهو ما يمنح هذه المشروعات أهمية تتجاوز تلبية احتياجات السوق المحلية، لتصبح جزءًا من منظومة التصنيع الموجه للتصدير.

السوق المحلية تدعم توسع المصانع

ولا يعتمد توسع صناعة الأجهزة المنزلية في مصر على الطلب الخارجي وحده، إذ تكشف بيانات السوق المحلية عن استمرار وجود طلب قوي على المنتجات.

وأوضح مدير عام مجمع الصافي للصناعات المتطورة في مصر إسلام عادل أن مبيعات الثلاجات خلال الفترة من يناير إلى أغسطس بلغت نحو 1.8 مليون وحدة، مقارنة بنحو 1.5 مليون وحدة خلال العام الماضي بالكامل.

ويعكس ذلك وجود سوق محلية قادرة على استيعاب إنتاج الشركات الجديدة والقائمة، وهو ما يوفر للمصنعين مزيجًا من الطلب المحلي وفرص التصدير، ويزيد من جاذبية إنشاء خطوط إنتاج جديدة داخل مصر.

«الصافي» تخطط لمجمع صناعي جديد في العين السخنة

وتتجه مجموعة الصافي إلى تعزيز استثماراتها في القطاع من خلال إنشاء مجمع صناعي جديد للأجهزة المنزلية في منطقة العين السخنة، على مساحة تتجاوز 70 ألف متر مربع.

ويستهدف المجمع إنتاج مجموعة متنوعة من الأجهزة، تشمل الثلاجات وغسالات الملابس وغسالات الأطباق وأجهزة التكييف.

وتفاضل الشركة بين شركتين صينيتين للعمل تحت علامتها التجارية داخل المجمع، على أن يتم اختيار الشركة قبل شهر نوفمبر المقبل، وفق تصريحات مدير عام المجمع.

ومن المقرر أن يبدأ المشروع بنسبة تصدير لا تقل عن 20% من الإنتاج، مقابل 80% للسوق المحلية، على أن تتحول الأسواق الخارجية إلى صاحبة النسبة الأكبر خلال ثلاث سنوات من بدء الإنتاج.

وتملك مجموعة الصافي بالفعل مجمعًا صناعيًا في مدينة السادس من أكتوبر، باستثمارات تتجاوز 80 مليون دولار، وينتج الهواتف والتلفزيونات وكاميرات المراقبة والبوردات الإلكترونية والأجهزة الطبية.

كما تستكشف المجموعة فرص تصدير أجهزة التلفزيون إلى أسواق دول غرب أفريقيا، في إطار توجهها لزيادة حضور المنتجات المصرية في الأسواق الخارجية.

«العربي» يرفع المكون المحلي إلى أكثر من 90%

وفي المقابل، تكشف تجربة مجموعة العربي عن إمكانية رفع نسبة المكون المحلي في صناعة الأجهزة المنزلية، إذ تتجاوز نسبة المكون المحلي في منتجاتها حاليًا 90%.

وتعمل المجموعة على التوسع في أسواق شمال أفريقيا، إلى جانب اتباع سياسة تعتمد على الإنتاج وفقًا لحجم الطلب في السوق المحلية، بما يساعدها على التعامل مع فترات تباطؤ الدورة الإنتاجية.

وتعتمد الشركة كذلك على الأسواق الخارجية باعتبارها منفذًا مهمًا عندما تتراجع المبيعات المحلية، مع تطبيق سياسة توسعية تصديرية في بعض الأسواق العربية منذ عام 2023.

50% من المكونات المستوردة.. التحدي الأكبر أمام الصناعة

ورغم الفرص الكبيرة أمام قطاع الأجهزة المنزلية في مصر، فإن تحول البلاد إلى مركز إقليمي لصناعة هذه المنتجات لا يخلو من تحديات.

ومن أبرز هذه التحديات ارتفاع الاعتماد على المكونات المستوردة، إذ تستورد الشركات نحو 50% من مكونات المنتج النهائي، وهو ما يزيد الحاجة إلى العملة الأجنبية ويؤثر في تكلفة المنتجات وقدرتها على المنافسة.

ويحتاج تعميق الصناعة إلى توجيه المزيد من رؤوس الأموال نحو تصنيع المكونات محليًا، بدلًا من الاكتفاء بتجميع أو تصنيع المنتج النهائي بالاعتماد على أجزاء مستوردة.

كما تتطلب عملية التعميق الصناعي، وفق رؤية رئيس المجلس التصديري للصناعات الهندسية، برنامجًا صناعيًا واضحًا وربطه بمراكز البحث والتطوير، خصوصًا أن التطور في صناعة الأجهزة المنزلية يتسارع ويحتاج إلى استثمارات كبيرة في التكنولوجيا والابتكار.

شهادات المطابقة تحدٍ أمام الصادرات إلى أوروبا

وتواجه الشركات المصرية الراغبة في زيادة صادراتها إلى الأسواق الأوروبية تحديًا آخر يتعلق بشهادات المطابقة، التي تؤكد توافق المنتجات مع المواصفات الأوروبية.

وتزداد أهمية هذه الشهادات بالنسبة للشركات المتوسطة التي تسعى إلى دخول الأسواق الأوروبية، خاصة مع تشدد متطلبات السوق فيما يتعلق بالمواصفات الفنية واستهلاك الطاقة.

ويرى الصياد أن الشركات، وخاصة المتوسطة منها، تحتاج إلى دعم يساعدها على الحصول على هذه الشهادات، بما يمكنها من الاستفادة من الطلب الأوروبي المتزايد على الأجهزة المنزلية المصرية.

مصر أمام فرصة لتعزيز موقعها في صناعة الأجهزة المنزلية

وتشير مجمل المؤشرات إلى أن صناعة الأجهزة المنزلية المصرية تقف أمام مرحلة توسع جديدة، تجمع بين الاستثمارات الأجنبية، وتوسعات الشركات المحلية، وارتفاع الصادرات، وقوة الطلب في السوق المحلية.

وبينما تقترب الاستثمارات الجديدة من ملياري دولار وفق التقديرات الواردة، تتجه شركات عالمية مثل AUX وHisense وBeko إلى تعزيز حضورها في مصر، في وقت تستهدف فيه صادرات القطاع الوصول إلى 1.5 مليار دولار بنهاية 2026.

ولكن استمرار هذا المسار يتوقف على قدرة الصناعة المصرية على الانتقال من مجرد زيادة عدد المصانع والعلامات المنتجة إلى بناء منظومة صناعية أكثر تكاملًا، تقوم على توطين المكونات، وتعزيز البحث والتطوير، ودعم الشركات في الحصول على شهادات المطابقة، وتسريع مستحقات رد الأعباء التصديرية.

وبذلك، لا تبدو المنافسة المقبلة مقتصرة على حجم الاستثمارات التي ستدخل مصر، وإنما على قدرة القطاع على تحويل هذه الاستثمارات إلى قيمة مضافة محلية وصادرات مستدامة، بما يعزز موقع مصر كمركز محتمل لصناعة الأجهزة المنزلية وخدمة أسواق أوروبا وأفريقيا والمنطقة العربية.

تم نسخ الرابط