الأغذية المصرية تغزو أوروبا.. والسر في حرب إيران
تشهد صادرات الصناعات الغذائية المصرية إلى الأسواق الأوروبية طفرة ملحوظة خلال عام 2026، في وقت تعيد فيه الشركات الأوروبية رسم خريطة مورديها بعد الاضطرابات التي شهدتها المنطقة بسبب الحرب بين إيران وإسرائيل وما تبعها من اضطرابات في حركة التجارة وسلاسل الإمداد.
وبينما فرضت الأزمة تحديات على العديد من الأسواق، نجحت المنتجات المصرية في اقتناص فرصة تاريخية لزيادة وجودها داخل الاتحاد الأوروبي، مستفيدة من قرب المسافة، وتوافر الإنتاج، وارتفاع معايير الجودة، إلى جانب الاتفاقيات التجارية التي تمنح الصادرات المصرية مزايا تنافسية.
وتؤكد أحدث البيانات أن صادرات الصناعات الغذائية المصرية واصلت تحقيق معدلات نمو قوية خلال الأشهر الأولى من عام 2026، مع تسجيل السوق الأوروبية أكبر معدل نمو بين مختلف الأسواق الخارجية، الأمر الذي يعكس التحول الكبير في الطلب الأوروبي على المنتجات المصرية.
لماذا ارتفعت صادرات الأغذية المصرية إلى أوروبا؟
ولم يكن نمو الصادرات المصرية إلى أوروبا وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تداخل عدة عوامل اقتصادية وسياسية في توقيت واحد.
وقد أدت الحرب بين إيران وإسرائيل إلى زيادة المخاوف بشأن استقرار حركة الملاحة في منطقة الشرق الأوسط، خاصة مع التهديدات التي طالت الممرات البحرية، وهو ما دفع العديد من المستوردين الأوروبيين إلى البحث عن موردين يتمتعون بسرعة الوصول واستقرار سلاسل التوريد.
وفي هذا السياق، برزت مصر باعتبارها أحد أقرب الموردين للأسواق الأوروبية، سواء عبر البحر المتوسط أو من خلال بنيتها اللوجستية المتطورة، الأمر الذي منح الشركات المصرية ميزة تنافسية واضحة مقارنة بموردين من مناطق أبعد في آسيا.
كما ساهمت المخاوف من ارتفاع تكاليف النقل العالمية في زيادة الإقبال الأوروبي على المنتجات المصرية، خاصة السلع الغذائية التي تحتاج إلى سرعة في الشحن والحفاظ على الجودة.
أوروبا تسجل أعلى معدل نمو في استيراد الأغذية المصرية
ووفقًا لبيانات المجلس التصديري للصناعات الغذائية، بلغت قيمة صادرات الصناعات الغذائية المصرية خلال الفترة من يناير إلى أبريل 2026 نحو 2.432 مليار دولار، مقابل 2.272 مليار دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025، محققة نموًا بنسبة 7.1% وبزيادة بلغت 161 مليون دولار.
ورغم استمرار الدول العربية كأكبر سوق للصادرات الغذائية المصرية، فإن الاتحاد الأوروبي سجل أعلى معدل نمو بين جميع الأسواق الخارجية، حيث بلغت قيمة الصادرات إليه نحو 551 مليون دولار، مدفوعة بزيادة الطلب على عدد كبير من المنتجات المصرية.
ما أبرز المنتجات المصرية المطلوبة في أوروبا؟
وأظهرت بيانات التصدير أن الطلب الأوروبي تركز على عدد من المنتجات التي تتمتع فيها مصر بميزة تنافسية كبيرة، ومن أبرزها:
- الفراولة المجمدة.
- الزيتون ومنتجاته.
- زيت الزيتون والزيوت الغذائية.
- الخضروات والفاكهة المصنعة.
- المنتجات الغذائية المجمدة.
- الشيكولاتة وبعض الصناعات الغذائية ذات القيمة المضافة.
ويعكس هذا التنوع قدرة المصانع المصرية على تلبية احتياجات الأسواق الأوروبية وفق المواصفات المطلوبة، مع الالتزام بمعايير الجودة وسلامة الغذاء.
إسبانيا تقود القفزة الأوروبية
ومن بين الأسواق الأوروبية، جاءت إسبانيا في صدارة الدول الأكثر نموًا في استيراد المنتجات الغذائية المصرية خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2026.
وقد ارتفعت الصادرات المصرية إليها بنسبة تجاوزت 100% لتصل إلى نحو 103 ملايين دولار، مدفوعة بزيادة صادرات الزيوت الغذائية وزيت الزيتون والزيتون المصنع، وهو ما يعكس توسع الشركات المصرية داخل الأسواق الأوروبية الرئيسية.
كما سجلت أسواق أوروبية أخرى معدلات نمو جيدة، بالتزامن مع توسع الشركات المصرية في تلبية الطلب على المنتجات المصنعة ذات القيمة المضافة.
كيف ساعدت حرب إيران المنتجات المصرية؟
ولا يمكن القول إن الحرب كانت السبب الوحيد وراء نمو الصادرات المصرية، لكنها مثلت عاملًا محفزًا سرع من تحول بعض المستوردين الأوروبيين نحو المورد المصري.
ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية، أصبحت الشركات الأوروبية أكثر اهتمامًا بتقليل مخاطر الاعتماد على سلاسل إمداد طويلة أو معرضة للاضطرابات، وهو ما منح مصر أفضلية تتمثل في:
- القرب الجغرافي من أوروبا.
- سرعة الشحن مقارنة بالموردين الآسيويين.
- انخفاض تكلفة النقل نسبيًا.
- توافر إنتاج زراعي وصناعي مستمر.
- الاتفاقيات التجارية التي تقلل الرسوم الجمركية.
ولهذا، استطاعت الشركات المصرية اقتناص فرص تصديرية جديدة خلال فترة شهدت تغيرًا واضحًا في خريطة التجارة العالمية.
سلامة الغذاء تعزز ثقة الأسواق العالمية
وفي الوقت نفسه، واصلت الهيئة القومية لسلامة الغذاء تكثيف جهودها لدعم الصادرات، حيث أظهرت تقاريرها استمرار تصدير آلاف الرسائل الغذائية إلى مئات الأسواق العالمية، مع تشديد الرقابة على المصانع والموانئ لضمان مطابقة المنتجات للمواصفات الدولية.
وقد سجلت مصر خلال أحد الأسابيع الأخيرة تصدير نحو 175 ألف طن من الأغذية إلى 191 دولة، وهو ما يعكس اتساع قاعدة الأسواق الخارجية للمنتجات المصرية.
هل تستمر الطفرة خلال النصف الثاني من 2026؟
ويرى خبراء قطاع الصناعات الغذائية أن فرص استمرار نمو الصادرات المصرية لا تعتمد فقط على التطورات الجيوسياسية، وإنما أيضًا على قدرة الشركات المصرية على الحفاظ على الجودة، وزيادة القيمة المضافة، والتوسع في المنتجات المصنعة بدلًا من تصدير المواد الخام.
كما أن استمرار الطلب الأوروبي، إلى جانب تنامي الصادرات إلى أسواق مثل المملكة المتحدة والصين، يمنح القطاع فرصًا كبيرة لتحقيق مستويات قياسية جديدة بنهاية عام 2026.
وبذلك، تحولت الأزمة الإقليمية وما صاحبها من اضطرابات في التجارة الدولية إلى فرصة اقتصادية استغلتها الصناعات الغذائية المصرية لتعزيز حضورها في أوروبا، مدعومة بارتفاع جودة المنتجات، وتطور منظومة سلامة الغذاء، ومرونة سلاسل الإمداد، وهو ما يجعل القطاع أحد أبرز مصادر النقد الأجنبي وأكثر القطاعات الواعدة في الاقتصاد المصري خلال المرحلة الحالية.