تصفير الدين المحلي.. هل تنقل "المقايضة الكبرى" المشكلة أم تحلها؟
أثار طرح ما وصفه مستشار رئيس مجلس الوزراء المصري حسن هيكل بـ«المقايضة الكبرى» نقاشًا واسعًا حول الطريقة المثلى للتعامل مع الدين العام المحلي، بعدما اقترح نقل ملكية بعض أصول الدولة إلى البنك المركزي المصري، مقابل تسوية جانب من المديونية المحلية للحكومة.
ولكن الجدل اتخذ اتجاهًا جديدًا صباح الأحد، بعدما أصدرت رئاسة مجلس الوزراء بيانًا رسميًا حسم موقف الحكومة من الفكرة، مؤكدة أن هذا الطرح يمثل رؤية شخصية لصاحبه ولا يعبر بأي حال عن توجه أو مقترح تتبناه الحكومة المصرية.
والأهم أن الحكومة أوضحت أن أفكارًا تتعلق بمقايضة أصول الدولة مقابل المديونية المحلية سبق أن خضعت بالفعل للدراسة والتقييم، قبل أن تنتهي الجهات المعنية إلى عدم ملاءمة تطبيق هذا التصور وعدم إدراجه ضمن السياسات أو الآليات التي تتبناها الحكومة لإدارة الدين العام.
ما هي «المقايضة الكبرى» التي أثارت الجدل؟
ويقوم التصور الذي طرحه حسن هيكل على الاستفادة من تجربة تسوية مديونية الهيئة الوطنية للإعلام «ماسبيرو» من خلال إعادة ترتيب الأصول والالتزامات بين مؤسسات الدولة.
وبحسب الطرح، يمكن تطبيق نموذج مشابه على نطاق أوسع، بحيث تنتقل ملكية بعض الأصول المملوكة للدولة، بما في ذلك حصص في الشركات العامة أو أصول أخرى، إلى البنك المركزي، مقابل نقل جانب من الدين العام المحلي إليه.
وكان الهدف المعلن من الفكرة هو تخفيف أعباء خدمة الدين عن الدولة وإتاحة مساحة مالية أكبر أمام الحكومة للإنفاق على ملفات تمس حياة المواطنين، مثل التعليم والصحة وبرامج الدعم.
وإلا أن هذا التصور اصطدم بإشكالية اقتصادية أساسية: هل يؤدي نقل الدين والأصول بين جهات حكومية مختلفة إلى خفض الدين على مستوى الدولة ككل؟.
مجلس الوزراء: نقل الدين لا يعني خفضه
وهنا جاء الرد الحكومي واضحًا، حيث أكد مجلس الوزراء أن نقل الأصول والمديونيات بين جهات الدولة لا يؤدي في حد ذاته إلى خفض الالتزامات على مستوى الدولة ككل.
وتكمن أهمية هذا التوضيح في التفرقة بين أمرين مختلفين تمامًا، وإعادة ترتيب الدين داخل القطاع الحكومي من ناحية، وخفض حجم الالتزامات الفعلية للدولة من ناحية أخرى.
وعندما ينتقل الالتزام من جهة حكومية إلى جهة حكومية أخرى، قد تتغير طريقة تسجيله أو الجهة التي تتحمل إدارته، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الدولة تخلصت من الدين أو أن تكلفة خدمته اختفت.
وبالتالي، فإن «تصفير» الدين في ميزانية جهة معينة لا يعني بالضرورة «تصفير» الدين بالنسبة للدولة المصرية ككل، وهذه النقطة تحديدًا تمثل جوهر الرد الرسمي على الفكرة.
لماذا رفضت الحكومة تطبيق النموذج؟
ولم يقتصر بيان مجلس الوزراء على القول إن الفكرة ليست سياسة حكومية، وإنما قدم مجموعة من الاعتبارات الاقتصادية والمالية والمؤسسية التي دفعت إلى عدم اعتمادها.
وفي مقدمة هذه الاعتبارات، ضرورة التعامل مع الدين العام باعتباره منظومة متكاملة تشمل هيكل الدين، وتكلفة خدمته، والسيولة المحلية، وتأثيرات إدارة الدين على السياسة النقدية والمالية.
وهذا يعني أن الحكومة لا تنظر إلى مشكلة الدين باعتبارها مجرد رقم يمكن تخفيضه من خلال نقل ملكية أصول تعادل قيمته، وإنما باعتبارها قضية ترتبط بتدفقات نقدية مستمرة، وتكلفة فائدة، وآجال استحقاق، والسيولة المتاحة في الاقتصاد.
ومن ثم، فإن أي حل مستدام يجب أن يخفض تكلفة الاقتراض ويعالج هيكل الدين نفسه، وليس فقط إعادة توزيع الالتزامات بين المؤسسات الحكومية.
قناة السويس.. الحكومة تحسم الأمر
وأكثر النقاط التي أثارت الجدل خلال الساعات الماضية كانت الإشارة إلى قناة السويس ضمن الأصول التي يمكن أن تدخل في عملية المقايضة.
ولكن مجلس الوزراء حسم هذه النقطة بشكل قاطع، مؤكدًا أن قناة السويس ليست محلًا لأي مقترح من هذا النوع، ولا توجد لدى الحكومة أي توجهات لمقايضتها أو رهنها أو نقل ملكيتها مقابل مديونيات.
وشددت الحكومة على أن قناة السويس مرفق عام استراتيجي ذو طبيعة خاصة، وترتبط بصورة مباشرة بالأمن القومي والسيادة المصرية، إلى جانب دورها المحوري في الاقتصاد الوطني والتجارة العالمية.
وبذلك، فإن الحديث عن «مقايضة قناة السويس مقابل الدين المحلي» لا يعبر عن سياسة حكومية قائمة، وإنما ارتبط بالطرح الشخصي الذي أثار النقاش خلال الفترة الأخيرة.
ماسبيرو ليس نموذجًا عامًا لإدارة الدين
ومن النقاط المهمة التي تضمنها الرد الرسمي أيضًا، توضيح طبيعة التسوية الأخيرة لمديونيات الهيئة الوطنية للإعلام.
وكانت الحكومة قد أعلنت تسوية مديونية «ماسبيرو» لدى بنك الاستثمار القومي بقيمة 88.3 مليار جنيه، ضمن جهود معالجة التشابكات المالية التاريخية بين الجهات الوطنية.
كما وصلت التسويات التي تم توقيعها منذ يونيو الماضي إلى نحو 294.1 مليار جنيه، في إطار العمل على إغلاق ملف المديونيات والتشابكات المالية التي يعود بعضها إلى عقود سابقة.
وقد دفعت هذه التسويات إلى اعتبار تجربة ماسبيرو نموذجًا يمكن تعميمه على الدين العام، لكن مجلس الوزراء رفض هذا القياس.
وأوضح أن تسوية مديونية الهيئة الوطنية للإعلام تمثل معالجة مالية ومؤسسية لحالة محددة، وفق الوضع القانوني والمالي للهيئة وطبيعة الأصول والالتزامات بين الجهتين.
وبالتالي، فإن نجاح تسوية مديونية ماسبيرو لا يعني أن نقل الأصول مقابل الديون يصلح تلقائيًا للتعامل مع الدين العام للدولة بأكمله.
الفرق بين تسوية الدين وخفض الدين
وهنا تظهر النقطة الأكثر أهمية لفهم الجدل، حيث أن تسوية التشابكات المالية بين مؤسسات الدولة يمكن أن تكون مفيدة لأنها تزيل مديونيات تاريخية، وتعيد ترتيب المراكز المالية للجهات الحكومية، وتحسن قدرة بعض المؤسسات على العمل بصورة أكثر كفاءة.
ولكن ذلك يختلف عن خفض الدين العام للدولة، فإذا كانت مؤسسة حكومية مدينة لمؤسسة حكومية أخرى، فإن التسوية بينهما قد تؤدي إلى إغلاق هذا التشابك، لكن عندما ننظر إلى الحكومة والقطاع العام بصورة مجمعة، فإن الأمر يحتاج إلى حساب أكثر دقة لتحديد ما إذا كان هناك انخفاض فعلي في الالتزامات أم مجرد إعادة ترتيب لها.
وهذا هو السبب في أن الحكومة فرقت بوضوح بين تجربة ماسبيرو وبين إدارة الدين العام للدولة.
ماذا تفعل الحكومة بدلًا من «المقايضة الكبرى»؟
ووفق البيان الرسمي، تتبنى الحكومة مسارًا مختلفًا يقوم على مجموعة متكاملة من الأدوات بدلًا من الاعتماد على مقايضة أصول الدولة بالمديونية.
ويشمل هذا المسار تحسين مؤشرات المالية العامة، وتحقيق فوائض أولية مستدامة، وزيادة موارد الدولة، ورفع كفاءة الإنفاق العام، وإطالة آجال الدين، وخفض تكلفة خدمته.
كما تركز الحكومة على تعظيم العائد من الأصول المملوكة للدولة من خلال سياسة ملكية الدولة وبرامج الطروحات والشراكة مع القطاع الخاص.
وهنا يظهر اختلاف جوهري بين التصورين، فبدلًا من استخدام الأصل كأداة مباشرة لتسوية الدين، ترى الحكومة أن الأفضل هو تعظيم العائد الاقتصادي من الأصل نفسه، ثم استخدام هذا العائد ضمن منظومة أوسع لتحسين المالية العامة.
وبمعنى آخر، الأصل الحكومي يمكن أن يكون مصدرًا للإيرادات والاستثمار وليس مجرد مقابل لتسوية التزام مالي.
هل يمكن أن تحقق «المقايضة الكبرى» وفورات رغم رفضها رسميًا؟
ومن الناحية النظرية، تظل الفكرة قابلة للنقاش الاقتصادي، خصوصًا إذا أدت إعادة ترتيب الأصول والديون إلى خفض تكلفة التمويل أو تحسين كفاءة إدارة الأصول، ولكن المشكلة تبدأ عندما يتم التعامل مع القيمة الاسمية للأصول باعتبارها مساوية تلقائيًا لقيمة الدين.
والأصول الحكومية تختلف في طبيعتها؛ بعضها مدر للعائد، وبعضها غير مستغل، وبعضها استراتيجي، وبعضها يحتاج إلى استثمارات ضخمة قبل أن يصبح قادرًا على تحقيق عائد اقتصادي مرتفع.
ولهذا فإن تقييم الأصل لا يجب أن يتوقف عند سعره الدفتري أو قيمته السوقية، وإنما ينبغي النظر أيضًا إلى العوائد المستقبلية التي يمكن أن يحققها، وتكلفة تطويره، والآثار الاقتصادية المترتبة على انتقال ملكيته.
ومن هنا يمكن فهم تأكيد الحكومة على ضرورة الحفاظ على كفاءة إدارة الأصول العامة وتعظيم عوائدها بصورة مستدامة.
هل كانت «المقايضة الكبرى» ستحل أزمة الدين؟
وفي ضوء الرد الرسمي، فإن الإجابة الأقرب هي أن المقايضة وحدها لا تمثل حلًا لمشكلة الدين العام، فالعملية قد تعيد ترتيب الملكيات والالتزامات، وقد تحقق فوائد في حالات محددة، كما حدث في بعض تسويات التشابكات المالية، لكنها لا تخفض تلقائيًا إجمالي الالتزامات على مستوى الدولة.
والحل الحقيقي، وفق الرؤية الحكومية، يعتمد على خفض تكلفة خدمة الدين، تحسين آجاله، تحقيق فوائض أولية، زيادة موارد الدولة، ورفع كفاءة الإنفاق، بالتوازي مع إدارة الأصول الحكومية بطريقة تحقق عوائد مستدامة.
والسؤال الأكثر دقة هو: كيف تخفض الدولة تكلفة الدين وتقلل نسبته إلى الاقتصاد دون التضحية بأصول استراتيجية أو خلق التزامات جديدة في مكان آخر؟.
وكشف الجدل حول «المقايضة الكبرى» عن نقطة شديدة الأهمية في إدارة الدين العام المصري: اختفاء الدين من حسابات مؤسسة حكومية لا يعني بالضرورة اختفاءه من حسابات الدولة.
وفي الوقت نفسه، فإن تسويات التشابكات المالية، مثل حالة ماسبيرو، تظل أداة مهمة لتنظيف المراكز المالية للجهات الحكومية وإغلاق ملفات ديون تاريخية، لكنها ليست بالضرورة وصفة لتصفير الدين العام.
أما قناة السويس، فقد حسمت الحكومة موقفها بصورة قاطعة، مؤكدة عدم وجود أي توجه لمقايضتها أو رهنها أو نقل ملكيتها مقابل المديونيات.
وبذلك، تحولت «المقايضة الكبرى» من مجرد فكرة لإعادة هيكلة الدين إلى اختبار مهم لفهم الفرق بين نقل الالتزامات وخفضها فعليًا.
ونجاح سياسة إدارة الدين لن يقاس بحجم الأصول التي يمكن إدخالها في أي تسوية، وإنما بقدرة الدولة على خفض تكلفة الاقتراض، زيادة الإيرادات، تحسين كفاءة الإنفاق، وتعظيم العائد من أصولها، بما يضمن تحسن الوضع المالي دون تحميل الأجيال المقبلة أعباء جديدة.