من 35 إلى 400 مصنع.. قصة تحول السخنة إلى مركز صناعي عالمي

مصانع المنطقة الاقتصادية
مصانع المنطقة الاقتصادية لقناة السويس

لم تعد المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في السخنة مجرد مشروع يستند إلى الموقع الجغرافي الفريد لمصر، وإنما تتحول تدريجيًا إلى قاعدة صناعية ولوجستية متكاملة، في ظل التوسع المتسارع في أعداد المصانع والاستثمارات والإنتاج الموجه إلى الأسواق المحلية والعالمية.

وتكشف أحدث تصريحات رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي عن حجم التحول الذي شهدته منطقة السخنة الصناعية خلال السنوات الأربع الأخيرة، بعدما ارتفع عدد المصانع العاملة إلى 212 مصنعًا، مع وجود 176 مصنعًا آخر تحت الإنشاء، بما يمهد لاقتراب العدد الإجمالي من 400 مصنع خلال الفترة المقبلة.

من عشرات المصانع إلى 212 مصنعًا عاملًا

وخلال جولة موسعة في منطقة السخنة الصناعية المتكاملة أمس الأحد، افتتح رئيس الوزراء 9 مشروعات صناعية جديدة وتوسعات بمصانع قائمة، بإجمالي استثمارات تصل إلى نحو 85 مليون دولار، مع دخول 2000 عامل جديد إلى سوق العمل.

وتأتي هذه المشروعات ضمن موجة توسع صناعي أكبر شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية.

وأوضح مدبولي أن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تضم حاليًا 212 مصنعًا عاملًا، مقابل عدد كان يعادل نحو 30% إلى 35% فقط من المستوى الحالي قبل أربع سنوات.

وخلال هذه الفترة وحدها، دخل ما يقرب من 140 مصنعًا جديدًا الخدمة، بينما يوجد 176 مصنعًا تحت الإنشاء، ومن المتوقع الانتهاء منها تباعًا خلال فترة تتراوح بين عام ونصف العام وعامين على الأكثر، وهو ما يدفع إجمالي عدد المصانع إلى الاقتراب من 400 مصنع.

وهنا تظهر أهمية الرقم ليس باعتباره مجرد زيادة في عدد المنشآت، وإنما باعتباره مؤشرًا على تغير طبيعة المنطقة الاقتصادية نفسها، فكل مصنع جديد يعني خطوط إنتاج، وعمالة، وسلاسل توريد، وخدمات لوجستية، وفرصًا أكبر أمام الشركات المحلية للاندماج في العملية الإنتاجية.

9 مصانع جديدة ترفع حجم النشاط الصناعي

وجاء افتتاح 9 مشروعات صناعية جديدة في السخنة ليعكس تنوع الأنشطة التي بدأت تستقطبها المنطقة، إذ تشمل الصناعات الجديدة والتوسعات مجالات الغزل والنسيج والخيوط، والأثاث، والصناعات الغذائية، والأسمدة، والصناعات التعدينية، والصناعات الطبية، إلى جانب منتجات الإضاءة وغيرها.

وبلغت استثمارات المشروعات والتوسعات التي افتتحها رئيس الوزراء نحو 84.5 مليون دولار وفق البيانات الرسمية، مع توفير نحو 2000 فرصة عمل جديدة.

ومن بين المشروعات مصنع «F-TEX International» لإنتاج خيوط البوليستر المنسوجة باستثمارات بلغت 10 ملايين دولار، في إطار توجه المنطقة لتوطين الصناعات الوسيطة واستكمال سلاسل القيمة الإنتاجية.

ويعني تنوع هذه الصناعات أن السخنة لا تتحرك في اتجاه قطاع واحد، وإنما تعمل على بناء منظومة إنتاجية متعددة المجالات، وهو ما يزيد من قدرة المنطقة على جذب استثمارات جديدة مرتبطة بالمصانع القائمة، سواء في صورة موردين أو شركات نقل وتخزين أو صناعات مغذية.

التصدير في قلب نموذج السخنة الصناعي

وأحد أبرز المؤشرات التي كشفت عنها الجولة الأخيرة يتمثل في اعتماد عدد من المصانع على التصدير باعتباره جزءًا رئيسيًا من نموذج أعمالها، إذ أشار رئيس الوزراء إلى أن بعض المصانع تصدر 100% من إنتاجها، بينما تصل نسبة التصدير في مصانع أخرى إلى 70%، مع توجيه الجزء المتبقي للسوق المحلية.

وهذه الميزة تمنح منطقة السخنة أهمية تتجاوز تلبية احتياجات السوق المصرية، خاصة أن المنطقة تتمتع بقربها المباشر من ميناء العين السخنة، بما يدعم حركة البضائع ويقلل المسافات بين خطوط الإنتاج ومنافذ التصدير.

وتشير الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى أن المنطقة الصناعية بالسخنة ملاصقة لميناء العين السخنة، كما ترتبط بشبكة من الطرق والمحاور التي تسهل الوصول إلى القاهرة والسويس والعاصمة الإدارية الجديدة.

المكون المحلي.. من التجميع إلى التصنيع الكامل

ولا تتوقف قصة التحول الصناعي في السخنة عند زيادة أعداد المصانع، بل تمتد إلى تغيير طبيعة الإنتاج نفسه. وأكد مدبولي أن عددًا من المصانع بدأ في الانتقال تدريجيًا من مجرد تجميع المنتجات إلى تصنيعها بصورة أكثر تكاملًا، مع وصول المكون المحلي إلى 40% على الأقل في بعض المصانع، بينما بلغت النسبة في مصانع أخرى نحو 95%.

ويعني ذلك أن قيمة الاستثمار الصناعي لا تقاس فقط بحجم رأس المال الذي يدخل المشروع، وإنما أيضًا بقدرته على خلق طلب على المنتجات والخدمات المحلية، وتقليل الاعتماد على المكونات المستوردة، وتكوين سلاسل توريد مصرية قادرة على خدمة الصناعة.

وتظهر هذه السياسة في مشروعات أخرى داخل المنطقة، إذ شهدت السخنة خلال الفترة الماضية مشروعات تستهدف دعم سلاسل توريد الأجهزة المنزلية وتصنيع المكونات والتجميع والخدمات المرتبطة بها، بما يعزز توطين الصناعات المغذية.

منتج مصري ينافس المنتجات العالمية

ومن أبرز النماذج التي تعكس هذا التحول مصنع منتجات الإضاءة الذي أشار إليه رئيس الوزراء خلال جولته، حيث أوضح أن مرحلة الإنتاج الجديدة أصبحت تنافس المنتجات التي كانت تصنع في ألمانيا، في الوقت الذي دفعت فيه ارتفاعات تكلفة الإنتاج هناك بعض الشركات إلى الاعتماد على المصنع المصري لإنتاج منتجات متطورة للأسواق العالمية.

كما عرض مدبولي نموذجًا آخر يتمثل في تصنيع كرسي طب وجراحة الأسنان محليًا، بعد أن كان يتم استيراده بالكامل، مشيرًا إلى أن المنتج المصري أصبح يصنع وفق معايير مرتفعة وبنحو نصف تكلفة المنتج الذي كانت الدولة تستورده سابقًا.

وتكشف هذه النماذج عن تحول تدريجي من مفهوم «التصنيع من أجل السوق المحلية» إلى نموذج أكثر اتساعًا يقوم على إنتاج سلع قادرة على المنافسة عالميًا، سواء من حيث السعر أو الجودة.

البنية الأساسية.. كلمة السر وراء التوسع

ولا يمكن فصل الزيادة الكبيرة في أعداد المصانع عن التطور الذي شهدته البنية الأساسية المحيطة بالمنطقة. فالحكومة تربط بين التوسع الصناعي في السخنة وبين تطوير ميناء العين السخنة وشبكات الطرق والسكك الحديدية، بما فيها القطار العادي والقطار الكهربائي السريع.

وتوضح بيانات المنطقة الصناعية بالسخنة وجود محطة لتحلية مياه البحر بطاقة تتجاوز 100 ألف متر مكعب يوميًا، ومحطات لمعالجة مياه الصرف، فضلًا عن قدرات كهربائية تتجاوز 1500 ميجا فولت أمبير، وهو ما يوفر جزءًا من المقومات الأساسية اللازمة لاستيعاب النشاط الصناعي.

ولكن التوسع السريع بدأ يفرض احتياجات جديدة، إذ أشار رئيس الوزراء إلى أن حجم الطلب على المنطقة أصبح يستدعي التعجيل بمشروعات بنية أساسية إضافية، ومن بينها محطات تحلية المياه والكهرباء وغيرها، بما يتناسب مع الطلب الاستثماري المتزايد.

176 مصنعًا تحت الإنشاء.. ماذا ينتظر السخنة؟

والرقم الأكثر دلالة في المرحلة المقبلة هو وجود 176 مصنعًا تحت الإنشاء، مع توقعات بإتمامها خلال 18 شهرًا إلى عامين على الأكثر.

وإذا تحقق هذا المستهدف، فإن المنطقة ستقترب من حاجز 400 مصنع، مقارنة بمستويات كانت لا تتجاوز نسبة محدودة من العدد الحالي قبل أربع سنوات.

ويأتي ذلك بالتزامن مع استمرار الإعلان عن مشروعات جديدة في المنطقة. ففي أغسطس 2026، شهدت السخنة وضع حجر أساس مصنع لتجميع أنظمة تخزين الطاقة، فيما تستمر الهيئة في استقطاب مشروعات مرتبطة بالصناعات الجديدة وسلاسل الإمداد.

كما شهدت المنطقة خلال السنوات الأخيرة مشروعات في قطاعات الغزل والمنسوجات والصناعات الغذائية والمكونات الصناعية، بما يعكس اتساع قاعدة القطاعات المستهدفة.

العمالة الفنية تتحول إلى جزء من المعادلة

والتوسع الصناعي لا يقتصر أثره على الإنتاج والتصدير، وإنما يخلق طلبًا متزايدًا على العمالة الفنية والمهندسين.

وأشار مدبولي خلال جولته إلى نماذج لشباب من خريجي المدارس الفنية تمكنوا بعد سنوات قليلة من العمل من الوصول إلى مستويات دخل تتراوح بين 14 و15 ألف جنيه شهريًا، بينما تتراوح رواتب المهندسين حديثي التخرج في بعض مصانع المنطقة بين 25 و30 ألف جنيه.

وتعكس هذه الأرقام، وفق الرؤية الحكومية، أهمية ربط التعليم الفني باحتياجات المصانع، بحيث تتحول المدارس الفنية وبرامج التدريب إلى مسار مباشر للحصول على وظائف ذات دخل مناسب، بدلًا من اقتصار فرص العمل الجديدة على الوظائف الأكاديمية التقليدية.

القطاع الخاص في مقدمة المشهد

والتحول الذي تشهده السخنة يرتبط أيضًا بمستهدف حكومي أوسع يتمثل في زيادة مساهمة القطاع الخاص في إجمالي الاستثمارات خلال السنوات الأربع المقبلة، بحيث تتجاوز حصته 70% وتصل إلى 75% وفق تصريحات رئيس الوزراء.

ولهذا أصبحت الجولات الميدانية للمصانع، بحسب مدبولي، وسيلة للاستماع إلى المستثمرين وأصحاب المشروعات والتعرف على العقبات التي تواجههم وخططهم للتوسع، وليس مجرد زيارات لافتتاح المشروعات.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة، لأن الوصول إلى نحو 400 مصنع لا يتطلب فقط إنشاء المناطق الصناعية، وإنما استمرار قدرة القطاع الخاص على ضخ استثمارات جديدة، وتوسيع المصانع القائمة، وربطها بسلاسل التوريد المحلية والعالمية.

السخنة.. من موقع استراتيجي إلى منظومة صناعية

والقصة الكاملة لتحول السخنة لا تختصر إذن في ارتفاع عدد المصانع من عشرات المنشآت إلى 212 مصنعًا عاملًا ثم الاقتراب من 400 مصنع، وإنما في تحول وظيفة المنطقة نفسها.

والموقع القريب من قناة السويس وميناء العين السخنة أصبح قاعدة لجذب الاستثمارات الصناعية، بينما توفر الطرق والمرافق والطاقة والمياه والبنية اللوجستية البيئة اللازمة لتشغيل هذه المصانع.

وفي المقابل، يدعم التوسع في التصنيع المحلي فرص التصدير وتقليل الاعتماد على الاستيراد، بينما توفر المصانع فرص عمل للعمالة الفنية والمهندسين والشباب الداخلين إلى سوق العمل.

وبهذا المعنى، تبدو السخنة أمام مرحلة جديدة من التطور: الانتقال من فكرة «منطقة صناعية بجوار قناة السويس» إلى نموذج أكثر تكاملًا يجمع التصنيع والتصدير واللوجستيات وسلاسل الإمداد والعمالة الماهرة في موقع واحد.

ومع وجود 176 مصنعًا تحت الإنشاء، واستمرار استقطاب استثمارات جديدة، فإن حاجز 400 مصنع لم يعد مجرد رقم مستهدف، بل أصبح محطة في مسار أوسع لتحويل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى مركز صناعي ولوجيستي قادر على خدمة السوق المحلية والوصول إلى الأسواق العالمية.

تم نسخ الرابط